فهرس الكتاب

الصفحة 678 من 943

[الكاتب: أبو يحيى الليبي]

ليقول يا دنيا أطلي واشهدي ... بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولًا بعدله، والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه.

وبعد ...

أمة الإسلام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فاليوم قتل أسد من أسود الإسلام، واستشهد بطل من أبطال التوحيد، فمضى بذلك أحد مسعري الحروب، فالق هامات الروم، الصارم المسلول على أعداء الدين القائد المجاهد أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله تعالى، فطويت بذلك صفحة مشرقة من صفحات التاريخ المعاصر، والتي سجلت أسطرها بمداد الدم وخطت كلماتها بنور العزم ودبجت أحرفها بلآلئ الإيمان.

نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، قتل كما يقتل الرجال في ساحات الوغى، ومضى كما يمضي البواسل بين قراع الصوارم، فودع الدنيا مهاجرًا مجاهدًا ثابتًا مستيقنًا، لم تمله عواصف المحن أو تكسره صوارف الزمن، فلطالما خاض المعامع غير هياب، وتقحم المخاطر دون تردد أو ارتياب، فكم طارد الموت في كل موطن، وقرع أبوابه في كل محفل، فلم يزل يطلبه ويسعى له حتى نال شرف الممات كما اكتسى قبله ثياب العزة والشهامة في الحياة ...

يُلقي على الساحات من دمه دما

دفقا بأمواج الدم المتجدد ... فهنا ميادين الجهاد نمدها

لجهادهم أو آية للمهتدي ... وهنا رباط المؤمنين وساحة

وألقي بها في مهاوي الردى ... وإنه لخليق - وحق له أن يكون كذلك - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس لهم رجل آخذ بعِنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانة) .

وكأني به وهو يجوب ساحات الجهاد، ويخوض غمرات الجلاد، ويترقب في لهف يوم الاستشهاد يصرخ في الآفاق بقوله وفعله؛

سأحمل روحي على راحتي

وإما ممات يغيظ العدا ... فإما حياة تسر الصديق

عليهم وعز الموت غير محرم ... نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي ليثبت بالبرهان القاطع أن الكلمات النيرات التي كان يبعثها لأمته ويقتطعها صدقًا وإخلاصًا من صميم قلبه لم تكن مجرد دعاوى فارغة أو عبارات مزخرفة أو خطب رنانة، وإنما كانت منهجًا وعقيدة ومبدءً تسفك من أجله الدماء وتتطاير لإحيائه الأشلاء وتوهب لإعلائه الحياة، فلم يكتف بأن يكون دليل صدقه جهده وعرقه سهره حتى جعل مسك ختامه روحه ودمه، ليقول للعالم كله؛ إن عقيدتي وديني ومنهجي أغلى وأعلى من كل شيء حتى ولو كانت نفسي التي بين جنبي، والبينة ما رأيتم وعاينتم لا ما سمعتم وخُبرتم.

نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، ولكن هل يفقه أعداؤه الذين صفقوا لموته أنهم قد قدموا له أعظم أمنية وأشرف هدية وأسمى غاية كان يطلبها؛ إنها الشهادة في سبيل الله، وهل بعد الشهادة مطلب، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .

ولما رأوا بعض الحياة مذلة

عليه وماتوا ميتة لم تذمم ... أبوا أن يذوقوا العيش والذم واقع

كلاب الأعادي من فصيح وأعجم ... ولا عجب للأسد إن ظفرت بها

وحتف علي في حسام ابن ملجم ... فحربة وحشي سقت حمزة الردى

وأمضي على سنتي في يقين ... نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، ولكن كلماته لم تمت، وفكره لم ينبتر، كيف؟ وحب الجهاد والاستشهاد والتضحية الذي زرعه في قلوب الشباب لم يزل ينمو ويزهو ويخضر ويثمر، حتى صار الاستشهاديون شبابًا وشيوخًا رجالًا ونساءً صفوفًا تترى وشعارهم:

سأثأر لكن لرب ودين

وإما إلى الله في الخالدين ... فإما إلى النصر فوق الأنام

فإن جيوش الهدى لم تغب ... ومن هنا فإني أقول؛ لقد أحسنت العزاء لأمة الإسلام يا وغد العراق - نوري المالكي - حينما قدمت الخبر، بقولك: (إلى كل الزرقاويين) ، فها أنت قد علمت أن وراء الزرقاوي؛ زرقاويين لم يموتوا، فكرهم فكره، وعقيدتهم عقيدته، وطريقهم طريقه، لن يغيروا ولن يبدلوا، سبيلهم الجهاد، وزادهم الصبر، ودافعهم الشوق للجنات،

لئن غاب عنا أبو مصعب

تشق ظلام العدا كالشهب ... ستمضي بعزم على نهجه

له طريق إلى العلياء مختصر ... فليعلم عبدة الصليب، وسلائل الخيانة، ورُضع النذالة، وعملاء اليهود الذين تبجحوا بمشاركتهم في مقتل الشيخ؛ أن انتفاشتهم لن تطول، وأن نقمات المجاهدين ستتوالى عليهم صواعقَ يتبع بعضها بعضًا، وأن الثأر لكل قطرة زكية من دم القائد المجاهد سيكون باهظًا وثقيلًا وعاجلًا، وأن هذه المفاخرة التي قرت بها أعين أسيادكم الكفرة ستكون لعنات مُرة تعضون عليها أصابع الندم فانتظروا إنا منتظرون.

فيا أمة الإسلام ...

ها هو أحد أبنائك البررة الأوفياء، الذين صدقوا في الانتماء إليك والغيرة عليك والحرص على عزتك وعلو شأنك، قد قدم حياته ثمنًا لرفعة دينك وتمكين شريعتك وتخليصك من ذل العبودية والتبعية للعبيد، فلتكوني وفية له بالمضي على طريقه، والاستمرار في دعم أصحابه وأنصاره بالنفس والمال والدعاء.

ولتعلمي أن الشيخ أبا مصعب رحمه الله؛ ما قتل طالبًا عرضًا من الدنيا، ولا حرصًا على متاعها، ولا تكالبًا على زهراتها، فنفسه وهمته أسمى من أن تهبط إلى هذا الحضيض الوضيع، وهو الذي تنفس نسائم العز في ساحات الوغى، وعرف بحق عزة المؤمن بدينة وعقيدته فلم يبغ بها بدلًا، فسلك هذا السبيل صابرًا مجتهدًا يذلل الصعاب ويكسر القيود حتى بوأه الله تلك المنزلة السامية.

ما زال يسعى إلى أن قال حاسده

أما أنتم أيها المجاهدون الصادقون الصابرون ...

فأحسن الله عزاءكم، ولتعلموا إخوتي الأحبة: أن هذا الدين؛ دين الله، وقد تكفل بحفظه وتولى أمر بقائه، وما استشهاد الشيخ المجاهد إلا حلقة من حلقات الابتلاء التي يختبر الله بها عباده المؤمنين، ليظهر توكلهم عليه، وثقتهم به، وثباتهم على دينه، {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} .

فالله الله في جهادكم، والله الله في ثباتكم، والله الله في دماء إخوانكم.

ولتعلموا إخوتي الأحبة أن أعظم وفاء لهم - بل لا وفاء إلا به - هو الثبات على طريقهم والاستمساك بمنهجهم الذي قتلوا فيه وضحوا من أجله، وإياكم وبنيات الطريق، فلقد تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جمادى الأولى/1427 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت