فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 943

[الكاتب: أبو سعد العاملي]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الذي لا يحمد على مكروه سواه، القائل في محكم كتابه: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} .

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، إمام المجاهدين، القائل: (لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) [رواه مسلم] ، وذلك لما عند الشهيد من كرامات عظيمة عند الله، لا ينالها المؤمن إلا بالشهادة، ولا يعادله فيها أحد، ثم أما بعد

لا أدري من أين أبدأ الكلام؛ فالصدمة أكبر من أن يتحملها المرء، والمصيبة أعظم من أن نصبر عليها، ولكن نتصبر وما صبرنا إلا بالله، وعزاؤنا أن الشهيد البطل الشيخ أبو مصعب يتمنى الآن، مثله مثل بقية الشهداء، أن يعود إلى هذه الدنيا فيُقتل مرات ومرات لما يجد من سعادة ونعيم، ولا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل.

هنيئا لك الشهادة التي كدحت من أجلها طويلًا، وركبت من أجلها المخاطر والصعاب، ولم تُدخل سيفك في غمده حتى نلتها، ولم تُرِحْ جسدك لحظة واحدة، وأنت تخطط وتربي وتدرب وتنفذ، وأنت مطارد من قبل جيوش الصليبيين والمنافقين والمرتدين، والذي جرب حياة المطاردة يفهم معنى هذا الكلام.

لقد استجبت لنداء ربك أخيرًا وأنت مقبل غير مدبر، بعدما علم الله سبحانه أنك قد أديت ما عليك من واجبات، واستنفذت ما عندك من جهود، واكتمل دورك في دنيا الناس، وحان الوقت لتسلم الراية لمن خلفك، فحياة المجاهد لا تُحسب بالأيام، بل إنها تُحسب بالأعمال، وإن رباط يوم في سبيل الله يعادل عبادة ستين سنة أو أكثر في ميزان الله تعالى ... فاحسبها يا عبد الله، لترى كم قضى عبدك أبو مصعب في هذه الحياة؛ حياة الجهاد والدعوة والعطاء، حياة البذل والفداء، حياة الرجال، الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، حياة تقود إلى مرضاة الله عز وجل، ونصرة دينه، والإثخان في عدوه.

لقد لبيت النداء، وحان وقت الرحيل والانتقال إلى عالم الجنان، عالم تكون فيه شاهدًا على هذه الأمة، وشاهدًا على الجنود الذين ربيتهم وقلدتهم مسؤولية الدفاع عن بيضة الإسلام والمسلمين في بلاد الرافدين، ومحاربة الذين كفروا من جنود الصليب والردة والنفاق.

أنهيت مهمتك بنجاح باهر، وأعداءك من حولك يحسبون أنهم بموتك سيتوقف الجهاد في بلاد الرافدين، أو أنهم نالوا من وحدة المجاهدين وعزيمتهم ... كلا والله، فبرحيلك ستزداد شوكة الجهاد صلابة، وسيزداد صف المجاهدين تلاحمًا وتنظيمًا، ولن يحقق العدو سوى نصرًا مؤقتًا سرعان ما تنجلي نشوته بالضربات الموجعة التي يعدها المجاهدون، ليس انتقامًا لمقتلك فحسب، بل مواصلة لمسيرة الجهاد التي بدأوها، وتنفيذًا لمخططاتك التي تركتها وأوصيت بإنفاذها من بعدك، فالقائد الملهم يترك وراءه خططًا وبرامج عمل تُتعب أتباعه من بعده، إن هو مات أو استشهد، كما أن مسيرة الجهاد لا ترتبط بالأشخاص الذين يموتون أو يغيبون، بل ترتبط بالله عز وجل الحي الذي لا يموت.

فالجهاد لا يتوقف بموت أحد، لأنه ذروة سنام هذا الدين، وهذا الدين له رب يحميه، ويسخر له جنودًا لينصروه وإن لم يفعلوا استبدلهم بآخرين {وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} .

فالدعوة لا تستقيم ولا تتقدم إلا بالجهاد، ومن يظن غير ذلك فهو جاهل بدين الله وعليه أن يصحح انتماءه ومفاهيمه من جديد ... من أجل ذلك وجب الجهاد، والجهاد بدوره يوجب الشهادة، فدماء الشهداء هي التي تروي شجرة هذا الدين، فتورق فتتوسع ظلالها ... ودماء القادة تكون أقوى تأثيرًا وأكثر نفعًا للدعوة.

{كتب عليكم القتال وهو كره لكم} :

لقد كتب الله علينا القتال؛ وهو المفهوم الحقيقي والقرآني للجهاد في سبيل الله، وليس بالمفهوم البدعي الذي يحاول بعض الأدعياء ترسيخه في نفوس المسلمين من قبيل الجهاد السياسي أو الاقتصادي أو الدعوي، محاولة منهم تغييب القتال وما فيه من دماء وأشلاء وجروح وقروح، ليبقى المسلمون تحت رحمة سيوف العدو، يُذبحون كالنعاج.

فالقتال تكرهه النفوس لما فيه من تضحيات جسام، تصل إلى حد فقدان الأرواح، ولكنه الباب الأوسع والأسمى لبلوغ الجنة، بل أرفع درجات الجنة، ألا وهو باب الشهادة، وهذا هو ما يشير إليه قوله تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} ، فالشهادة خير عظيم.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) [رواه أبو داود والترمذي] ، ولفظه: (للشهيد عند الله ست خصال، يُغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنين وسبعين من الحور العين، ويُشفع في سبعين من أقاربه) .

ولابن ماجه: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) .

بالإضافة إلى أنها اختيار من الله واصطفاء، فليس كل الناس يستشهدون وإن ماتوا في ساحات القتال {ويتخذ منكم شهداء} ، فاحرص أن تكون منهم.

الشهادة تقوي شوكة الجهاد:

الناظر إلى تاريخ الدعوات - منذ آدم عليه السلام وإلى يومنا هذا - يلاحظ أن الكثير من الدماء قد أهرقت في سبيل الله، فكانت تزيد هذه الدعوات قوة وتجذرًا في النفوس، فالشهادة من أعظم أنواع التعبير عن حب الدعوة، وهذا من شأنه أن يؤثر في نفوس الناس لينضموا إلى صفوف هذه الدعوة دون الحاجة إلى الخطب والكلمات.

والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى؛ منها قصة أصحاب الأخدود ودور الغلام في التأثير على نفوس الناس من حوله، حيث كانت شهادته مفتاحًا للقلوب، وبابًا لإيمان هؤلاء، وهم بدورهم تحولوا إلى شهداء بعد لحظات، ليخلدهم رب العزة في كتابه الكريم ويتحولوا إلى نموذج رائع للدعاة بدمائهم، بدلًا من الدعوة بلسانهم.

إن الشهيد يخطب بدمه وروحه ترفرف في أعلى عليين، فيجعل الله تعالى لدمه القبول في الأرض، فيؤثر في النفوس أيما تأثير، ومن ثم تلتحق جموع كثيرة بساحات القتال، فتقوى الدعوة، وتتقوى شوكة هذا الدين من حيث لا يحتسب أنصاره ولا خصومه على حد سواء.

فالأنصار يظنون أنه بفقد الشهداء ستضعف الدعوة وسيتمكن العدو من بسط سيطرته على الساحة، والعدو هو الآخر يفرح كثيرًا بذهاب هؤلاء الشهداء، خاصة إذا كانوا من القادة، ويحسب أنه قد حقق نصرًا عظيمًا ونهائيًا لا يمكن أن تقوم بعده للمجاهدين قائمة، ولكن سرعان ما يحدث العكس، فيبعث الله من يحمل الراية من جديد ويواصل مسيرة الدعوة والجهاد بحماس أكبر وبعزيمة أقوى، ذلك أن القادة الجدد يستفيدون من تجارب من سبقهم ويضيفون إليها تجاربهم الخاصة، فتكون النتيجة أعظم مما يتصوره الجميع.

وهذا هو سر هذا الدين العظيم، يتقوى بالابتلاء والتمحيص، فلا يتحقق التمكين إلا بعد أن يتحقق الابتلاء والصبر عليه.

أنظروا إن شئتم إلى الحركات الجهادية المخلصة التي قامت في هذا العصر، فكم من قائد فقد في الطريق، استشهادًا أو اعتقالًا، فهل توقف جهادها أو ضعف؟! أم أنه ازداد اتساعًا وقوة بين الناس؟! هل قل أنصاره وارتدوا عن المنهج؟! أم أنهم ازدادوا وكثروا؟! هل انحصرت الدعوة التي قاموا من أجل نصرتها؟ أم أنها توسعت وانتشرت في الآفاق؟!

هذه هي الأسئلة التي ينبغي طرحها حينما يتعلق الأمر بالشهادة والشهداء، فالهدف الذي ينبغي تحقيقه هو نشر الدعوة ونصرة الدين واستمرار مسيرة الجهاد ... فإن تحقق هذا؛ فاعلم أنها شهادة حق وشهداء حقيقيون، بارك الله في دمائهم وزكاها، وإن تحقق غير ذلك فاعلم أنهم مجرد قتلى قاتلوا من أجل دنيا أو منصب أو حمية، فلم يبارك الله في جروحهم ولا في دمائهم.

هل يغني حذر من قدر؟!

أسئلة كثيرة قد تتبادر إلى أذهان الكثير من أنصار ومحبي الجهاد؛ عن سبب قتل القادة، وهل يكون السبب خلل أو ترك ثغرات أمنية في صفوفهم دخل منها العدو ليصيبهم بقتل أو أسر؟

الجواب؛ هو أن النتيجة الحتمية للجهاد هي النصر أو الشهادة، وبينهما تكون جروح وقروح وأسر ومطادرة، ومن يظن أنه سيخرج من ساحة الجهاد بغير هذه النتائج؛ فهو واهم، ولابد أن يبحث له عن طريق آخر.

خاصة حينما يتعلق الأمر بقادة الجهاد وأمراء الحرب، فهم الذين تُسلط عليهم أضواء العدو أكثر من غيرهم، وهم الذين يتعرضون للأذى والموت والأسر أكثر من غيرهم، وهم الذين يسبقون غيرهم إلى الشهادة.

هذه هي طبيعة الجهاد، بل طبيعة هذا الدين؛"كن أمامي تكن إمامي"- كما كان يردد الشيخ أبو مصعب رحمه الله - وقد جسد هذا في الواقع، فلم يكتف بإعطاء الأوامر لأصحابه ثم ينزوي هو بعيدًا عن المخاطر أو يأوي إلى ركن يحتمي فيه من المخاطر، حاشى وكلا، بالرغم من أن له ألف عذر وعذر لكي يفعل ذلك، فهو القائد والأمير الذي ينبغي أن يبقى ليخطط ويوجه ويربي ويُخرج المجاهدين الشهداء.

ولو فعل ذلك فلن يلومه أحد من أتباعه، فهم يتمنون أن يفدونه بأرواحهم، ولن يتركوه يعرض نفسه للمخاطر حرصًا على حياته وحرصًا على مواصلة هذه الدعوة، ولكنه رفض، فآثر أن يكون إمامًا حقيقيًا، يطابق قوله فعله، ولن يغني حذر من قدر ... كما لا ينبغي أن ننسى أنه جندي ومجاهد وسط إخوانه، يبتغي الشهادة هو الآخر ولا يمكن أن يُفوت على نفسه فرص نيل الشهادة.

قد تتعدد الأسباب ولكن الموت واحد، وهي نهاية مسيرة العطاء والتضحية، مسيرة الكدح والعمل، مسيرة الأخذ بالأسباب، وقد يكون حتف الإنسان في تدبيره، لأن الله تعالى قد قدر، ولا راد لقضائه ... ولكن هذا لا يمنع من الأخذ بالأسباب، وأخذ الحذر والحيطة من الأسباب الواجب اتخاذها في مسيرة الجهاد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فتنقية الصفوف من المنافقين وضعاف النفوس؛ واجب على كل مجاهد، فضلًا عن القادة والمربين، لأن وجودهم داخل الصفوف مهلكة للتجمع الجهادي، ويفتح ثغرات كبيرة في البناء سرعان ما يدخل منها العدو لتحقيق مآربه.

ومن أولى أهداف الأعداء؛ هو تصفية القادة والأمراء، {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين} ، فهي سنة ثابتة وماضية، لا تتبدل ولا تتغير، وهي ذات الأهداف لدى المؤمنين، حيث يأمر رب العزة باستهداف وقتل قادة وأمراء الكفار {وقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم} .

فالحرب في هذا الميدان سجال، ولكننا لسنا سواء، فقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، ثم إن موت القادة عندنا يكون محفزًا للجنود بمواصلة الطريق بعزيمة أقوى، لما يناله الشهداء من أجر وثواب ودرجة عند الله، ومن فخر وسمعة ورفعة عند الناس.

لقد مضى الشيخ المجاهد أبو مصعب الزرقاوي للقاء ربه، وترك وراءه خيرة الرجال، كل واحد منهم بإمكانه أن يواصل ويتحمل ثقل الأمانة، وكل واحد منهم يرجو أن ينال ما ناله أميرهم، لن ينحني هاماتهم إلا لله عز وجل، ماضون في جهادهم، وهم يؤمنون بأن مسيرة الجهاد ماضية بهم أو بغيرهم، غاب قائدهم أو حضر، وهو بلا شك حاضر بينهم بتوجيهاته ومخططاته وثباته وشجاعته، حي يُرزق، فلا يمكن لأمثاله أن يكونوا من الأموات، لأننا نحسبه - بإذن الله - شهيدًا، بل شهيد الشهداء.

{ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} .

13/جمادى الأولى/1427 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت