فهرس الكتاب
إن النصر ومصير هذا الدين بيد الله سبحانه، فقد تكفل به ووعد به فإن شاء نصره وأظهره وإن شاء أجله وأخره، فهو الحكيم الخبير بشؤونه، فإن أبطأ فبحكمة مقدرة فيها الخير للإيمان وأهله، وليس بأحد بأغير على الحق وأهله من الله، {َيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:4 - 6] .
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
فإن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته وعزت عظمته يمن على المؤمنين بالنصر أحيانا ويبتليهم منه أحيانًا أخرى فيحرمهم من هذه النعمة ويذيقهم طعم الابتلاء لحكم يقدرها ويعلمها.
قد ينعم الله في البلوى وإن عظمت *** ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ
وقد عدّ ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد نُبذًا من هذه الحكم، فقال:
(منها: أن هذا من أعلام الرسل كما قال هرقل لأبي سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال يدال علينا مرة وندال عليه أخرى، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة.
ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت، دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المسلم والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخابتهم، وعاد تلويحهم تصريحا، وأنقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقسامًا ظاهرًا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًا في نفس