فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 943

بِدمٍ باردٍ إِلى يَدِ الصّليبيينَ، و ليسَ أدَلُّ على ذَلِكَ مِنْ أنَّ الأفْضَلَ لمَّا عَلِمَ بِتَوَجُّهِ الصليبيينَ إلى بيتِ المَقْدِسِ توجَّهَ عائِدًا إِلى الْقَاهِرَة.

وَ كانتِ القُوَّاتُ الصَّلِيبيَّةُ التِّي حَاصَرَتْ بيتَ المَقْدِسِ، في غايةِ التَّعَبِ و الإنْهَاكِ من شِدَّةِ الحَرَارَةِ التّي لَمْ يَعْتَادُوا عَلَيهَا في بِلاَدِهم، حتَّى أنَّ الماشِيَةَ وَ الأغْنَامِ هَلَكَ عددٌ كبيرٌ منهَا، بَلْ إنَّ عددَ الجيشِ الصليبيّ الذي كَانَ مُتوَجِّهًا لحِصَارِ بيتِ المقدِس لمْ يكُن كبيرًا، بِحَيْثُ يستطيعُ أنْ يصمُدَ في ظلِّ هذِهِ الظُّروفِ لَولًا خيانَة الرَّافضَة، وَ تَوَاطُئُهم معَ الصَّلِيبين. إذ بَلَغَ عدَدُهُم ألفًا وَ خَمْسَ مائةَ فارِسٍ، وَ عشرين ألفًا من المُشَاةِ، حتّى أنَّ المُؤَرِّخَةَ ابن تَغْرِيبَرْدِي قَالَ مُتَعَجِّبًا:"وَ العَجَبُ أنَّ الإفْرَنْج لمَّا خَرَجُوا إلى المُسلمينَ كانُوا في غايةِ الضَّعْفِ من الجوعِ وَ عدَمِ القوتِ، حتى أنَّهُم أَكَلُوا المَيْتَةَ، وَ كانتْ عسَاكِرُ الإسلامِ في غايَةِ القُوَّةِ وَ الكَثْرَةِ، فَكَسَرُوا -أي الصَّليبيون- المسلمين وَ فَرَّقُوا جَمْوعَهُم".

وَ بعدَ حِصَارٍ دامَ أربعين يَوْمًا تمكَّنَ الصلِيبيُّونَ من دُخولِ بيتِ المَقْدِسِ وَ احْتِلالِهَا في شَهْرِ شَعْبًان، في سَنةِ أرْبع مائةِ و اثْنَتَيْنِ وَ تسعينَ لِلْهِجْرَةِ، وَ راحُوا يُقتِّلونَ المسلمينَ، وَ يُحَرِّقونَ مَا كَانَ ببيتِ المَقْدِسِ من مَصَاحِفٍ وَ كُتُبٍ، حتّى بلَغَ عددُ القَتْلَى مَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ ألفٍ منَ المُسلمينَ منهُم الأئمَّةُ و العلماءِ وَ العُبَّادِ.

وَ ظَلُّوا على هذهِ الحَالَةِ منَ التَقْتِيلِ و التنْكيلِ أُسْبُوعًا كامَِلًا لدرجة أنَّهُ لماّ أراَد قَائدُهُم الصَّليبي رِيمُونْد زِيارَة سَاحَة المَعبَدِ أَخَذَ يتلَمَّسُ طَريقَهُ تَلَمُّسًا من كثرةِ الجُثَثِ و الدِّماء التي بَلَغَت رُكبَتَيْهِ.

وَ كان من جَرَائمِ الخلَفَاء العُبَيديين؛ أنَّهُم يتَخَلَّصُونَ من كل وَزيرٍ يُنادِي بفريضَةِ الجِهادِ، وَ يرفَعُ لُوَاءَهُ على وجهِ السُّرعَة، وَ يظْهَرُ ذلكَ من خِلًالِ الفَتْرَةِ التي حَكَمُوا بها. فَهَذا الوزيِرُ الأفضلُ لمَّا كانَ مُتحَالِفًا مع الصَّليبيينَ كانَ منهُم مُقَرَّبا، وَ لَمَّا بدَأَ يَتَحَالَفُ معَ الدَّماَشِقَة الأترَاك لمواجَهَةِ الصليبيّينَ، قَامُوا باغتيَالِهِ في عَهْدِ الخَليفَةِ الآمِر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت