فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 735

لقد فطن الأعداء إلى خطورة هذا المرض وكأنهم فقهوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمدوا إلى زرعه في الأمة في الوقت الذي استهان فيه المسلمون بهذا المرض ولم يعدوا له عدته ولا دواءه.

فكل ما تعانيه الأمة اليوم من ضعف وتشتت وبعد عن الدين وفقدان للقيم والأخلاق ولامبالاة وجبن وذل وهوان وركون إلى الذين ظلموا وغيرها من المثبطات والمهلكات، كلها تعتبر أعراض مباشرة لهذا المرض الخطير.

فعنه تتشعب كل المصائب التي تشكو منها الأمة وعلى رأسها ترك الجهاد الذي يمثل السياج الأمثل لوقاية وحماية الأمة من أطماع المحتلين، كما يمثل رأس رمحها في مواجهة كل الطامعين فيها وفي ثرواتها، وهو الذي يحمي دينها ودنياها.

ومن هذا المرض الخطير يمكننا معرفة واكتشاف مواطن الضعف في الأمة، بمعنى آخر يمكننا اكتشاف ضعف المناعة في جسمها والسعي بالتالي إلى إيجاد الغذاء الطبيعي المناسب لتقوية هذه المناعة ثم في المرحلة التالية البحث عن الدواء الذي سيخفف من هذا الداء أو سيقضي عليه بصفة نهائية.

فالحق والحق أقول أن كل أسباب الضعف التي توجد في هذه الأمة والتي كانت سببًا مباشرًا لإيصالها إلى هذه الحالة، كلها تتشعب عن مرض الوهن، الذي بدوره ينقسم إلى شطرين:

حب الدنيا والتعلق بها وإيثارها على الآخرة، مما يؤدي بالضرورة إلى ترك الكثير من الواجبات بله الفروض الشرعية، ومن ثم تنشأ أمراض فرعية أخرى من قبيل حب الذات والتفرغ للأمور الدنيوية والانغماس في الشهوات والملذات كما يعبر القرآن الكريم في قوله تعالى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ? فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] ، وغيرها من السلبيات والمثبطات والمكبلات.

وكراهية الموت، وهو عدم الاستعداد للقاء الله مما ينتج عنه بالضرورة الإفراط في حب الدنيا، ونسيان الحساب والعقاب، والتكاسل عن الاستعداد لليوم الآخر، وهو بدوره ينتج عنه الجبن والخوف من مواجهة الصعاب والبخل حرصًا على مصالح هذه الدنيا الفانية، وهو بدوره يؤدي في النهاية - مثله مثل حب الدنيا - إلى ترك الواجبات الشرعية، والاكتفاء ببعض الأعمال الصغيرة التي لا تصل إلى النصاب المطلوب إسقاطًا للواجب وخداعًا للنفس وإيهامها على أنها قد قامت بما عليها.

وهذا الحديث ينطبق أساسًا على الفئة الواعية في الأمة وأقصد العلماء أو ورثة الأنبياء، فهذه الفئة واجباتها أعظم وأكبر من الفئات الأخرى، وحينما تزل وتنحرف فإن خلقًا عظيمًا سيزل وينحرف معها دون شك، مما يتطلب منها يقظة متواصلة وثباتًا واستقامة لا تنقطع ولا تفتر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت