فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 735

السامعين مسئولية الفقه والتنفيذ، بخلاف ما يقوم به أولئك (البلاعمة) من تخدير للشعوب وتثبيطهم عن أداء واجباتهم تجاه دينهم وأمَّتهم، فمن أولى بالاتِّباع يا تُرى؟

فكل من يرى نفسه قادرًا ومؤهَّلًا لخوض غمار الدعوة وتتوفَّر فيه هذه السمات ويمتلك هذا الفهم والفقه الحركي والواقعي فليتقدَّم الصفوف وليعتلي المنابر ليوجِّه الناس ويهدي الحائرين، فالشعوب بحاجة إلى أمثالكم، وأنتم مسئولون أمام الله وأمام هذه الأمَّة على ترك ساحة الدعوة فارغة وشاغرة لمثل هؤلاء الضالين المضلِّين، ولتدخلوا عليهم نواديهم ومنابرهم من كل حدب وصوب، حاصروهم وزاحموهم واطردوهم من ساحات الدعوة، وخذوا أماكنهم فأنتم أحقُّ بها لأنَّكم على الحقِّ، ولأنَّ خطاباتكم أدعى بالتأثير في الناس ومناهجكم أولى بالاتِّباع.

كفانا تقهقرًا وتراجعًا وتقوقعًا على أنفسنا، وقد آن الأوان للجهر بالدعوة بما نملك من علم عملي رباني لا يملكه خصومنا، ولا ينبغي أن نستحيي بما معنا من قلَّة المتون المحفوظة فنحن نفقه المتون ونملك فن تطبيقها على أرض الواقع، بينما خصومنا يحفظونها ويحملونها كما تحمل الحمير أسفارها بلا وعي ولا فقه ولا تنزيل على الواقع ولا ربط بالأحداث، كما أنَّنا نؤمن أنَّ العلم نسبي وأنَّه {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مّن نّشَآءُ وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76] ، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"نضَّر الله امرَأً سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" [جامع بيان العلم لابن عبد البر المالكي] .

فأنت -أيُّها الموحِّد- تعتبر عالمًا في ميدانك لأنَّك تفقه مسائل وتعرف إنزالها على الواقع، وتوجِّه بها العباد ليتحمَّلوا مسئولياتهم أمام الله، بينما أولئك الذين ذكرناهم يكبِّلون الناس ويكتمون ما أنزل الله خوفًا من الطواغيت أو يضلِّلون العباد طمعًا في أجر وثواب هؤلاء الحُكَّام.

أيُّها الموحِّد، أنت تقدِّم نفسك وأمنك ومالك في سبيل نشر ما تعتقده من حقٍّ وتجعل نفسك جسرًا لكي يعبر عليه الدين إلى قلوب العباد، بينما هؤلاء يسترزقون بالدين، ويجعلونه جسرًا للعبور إلى دنياهم، فهل أدركت الفرق الشاسع بينك وبينهم؟ وهل ما زال لديك شكٌّ أو تردُّد في أنَّك أرفع درجةً عند الله من هؤلاء السفلة الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل؟!

هذا لا يعني أنَّنا نطالب الإخوة -أصحاب المنهج وحَمَلَة الأمانة- أن يهملوا مسألة التحصيل وطلب العلم النافع، فيتركوا هذا المجال ويهجروه بحجة أنَّهم منشغلون بأمور الدعوة والحركة بهذا الدين، فهذا خطأ كبير وانحراف عن النهج الصحيح لهذا الدين الذي يحثُّ على العلم قبل العمل، ويرفع درجة العلماء العاملين على من دونهم، فالعلم للعمل، ولا ينبغي حصره في مجرد التحصيل دون فقه ولا وعي ولا تنزيل على الواقع المراد تغييره أو إصلاحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت