يقول ابن القيم في هذا المقام:"إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء، فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض، قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبًا للشارع". (مفتاح دار السعادة عن القواعد الفقهية لإعلام الموقعين) .
فالشرط الأول والأساس لتغيير منكرات هذه الطوائف ومحاولة إيقاف فسادها هو امتلاك الشوكة والمنعة، أما في حال غيابهما فإنه ينبغي التريث والصبر والسعي إلى امتلاك القوة اللازمة لمباشرة هذه الفريضة.
فإذا نظرنا إلى واقع التجمعات الجهادية الصادقة نجد أن هناك أعداء كثيرين يتربصون بها ويحاربونها ويمتلكون إمكانيات مادية وبشرية هائلة تفوق بكثير ما لدى هذه الجماعات، فهل يمكننا القول أن على المجاهدين أن يدخلوا في صراعات وصدامات مباشرة مع كل هذه الطوائف في آن واحد دون مراعاة قوتهم وإمكانياتهم؟!
أم ينبغي مراعاة أولويات والسير وفق خطة حكيمة يكون مفادها استعمال أقل الوسائل لتحقيق أكبر المكاسب وبأقل الخسائر؟.
وقد يكون من الحكمة أيضًا السعي إلى ضرب هذه الطوائف بعضها ببعض لتخفيف ضغوطها على الجماعات الجهادية وصرف نظرها عن أنشطتها إلى حين، أو أن ندفعها إلى خوض صراعات مع أطراف معادية أخرى لاستكمال فريضة الإعداد.
فواقع الإخوة الموحدين في غزة مثلًا يتميز بتسلط حكومة حماس على زمام الأمور وامتلاكها للشوكة والمنعة التي بواسطتها تفرض على الناس تطبيق قوانين مخالفة لشريعة الله تعالى، وبالتالي فهي تحارب وتعاقب كل من لا يحترم هذه القوانين، بل أدهى من ذلك وأَمَرّ، إنها تحارب كل من ينادي بتطبيق الشريعة في غزة، كما تقاتل كل من يريد قتال اليهود بحجة أن ذلك يتعارض مع المصالح الوطنية وأن هذا يعطي ذريعة لليهود بالهجوم على غزة وتفويت فرص السلام معها كما يزعمون.
كل هذه الأمور واقعة ويعيشها الإخوة في غزة في كل لحظة، وهم يدركون خطورة هذه الفئة الضالة على المشروع الجهادي في فلسطين وفي المنطقة برمتها، ولكن حالة الإخوة لا تسمح لهم بفتح معارك مفتوحة مع هذه الأخيرة بسبب عدم امتلاك القدرة، ولعل من أهم الأسباب المعطلة لهذه الشوكة هو تفرق الإخوة وتشتتهم وعدم إجماعهم على توحيد الصف المجاهد لمواجهة خطورة حماس الممتنعة وزحف اليهود المحتلين.
الآن وقد عرف الإخوة الحكم الشرعي لهذه الطوائف الممتنعة بشوكة مباشرة تمتلكها هي أو بشوكة من تحتمي بهم من قبيل المحتل الصليبي أو هذه الأنظمة المرتدة الحاكمة في بلدان المسلمين، فإنه يتعين على الجماعات المجاهدة أن تبحث عن السبل المناسبة لإنزال هذه الأحكام على واقعها مراعاة لقوتها وحرصًا على عدم التصادم مع القاعدة التي سبق ذكرها وهي أن"درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة"، فهاهي أبواب الاجتهاد مفتوحة على مصراعيها للجمع بين المصلحتين: درء المفاسد (دفع أضرار هذه الطوائف من الفساد وتفاديها) وجلب المصالح (الإبقاء على وجود الجماعات الجهادية والسعي إلى امتلاك المنعة والشوكة) .