فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 735

الموقف من علماء السوء

المسألة الثانية التي ينبغي تسليط الضوء عليها والتي كانت محل نزاع وخلاف بين الإخوة هي طريقة الحكم على العلماء وتصنيفهم.

أخطر القضايا التي تمس مستقبل ديننا وأمتنا على الإطلاق، عنصر أساسي وفعال لا يمكن أن يقوم أمر هذا الدين إلا به إذا صلح، كما أنه عنصر هدم أساسي لهذا الدين إذا فسد، يتعلق الأمر بالعالم أو بطائفة العلماء، هؤلاء الذين حمَّلهم الله تعالى القسط الأوفر من أمانة التبليغ عن الله عز وجل، أو التوقيع عن الله كما سماهم العلامة ابن القيم رضي الله عنه:"الموقعين عن رب العالمين"في كتابه النافع الجامع"إعلام الموقعين عن رب العالمين".

دور العلماء هو امتداد لدور الأنبياء لأنهم ورثتهم، والأنبياء لم يكونوا يعيشون لأنفسهم بل لغيرهم، كما أنهم لم يكونوا يعرفون هذه الحسابات الضيقة التي تملأ حياتنا فنضع دين الله في كفة مستقلة بينما نضع مصالحنا الشخصية في كفة أخرى من ميزان الحياة كأننا نحفظها في صندوق مؤتمن لا يمكن أن يخدشها شيء. في الوقت الذي نضع ديننا وعقيدتنا في الواجهة كأنه درع ندفع به الشرور عن أنفسنا خوفًا من ذهاب هذه المصالح، بينما المطلوب أن تكون حياتنا كلها ضمن هذا الدين، بحيث لا يمكن أن نفرق بينهما البتة، مصداقًا لقوله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} . فنصرف من هذه المصالح ونضحي بها في سبيل الحفاظ على ديننا.

ليس هناك استقلالية عن دين الله أو ازدواجية في الانتماء، فنأخذ ما يوافقنا ونترك ما يتصادم مع متطلبات حياتنا، هذا بالنسبة للمسلم العادي فما بالك بمن رضي لنفسه أن يكون من ورثة الأنبياء ثم تراه يتنصل من هذه الشروط ويرضى لنفسه أن يعيش مع العوام في الحضيض، يتأثر بدلًا من أن يؤثر وينسى أنه المثل الأعلى لغيره في ميادين الخير والصلاح والعطاء والفداء.

هناك نقطة أخرى أود التركيز عليها في هذا الباب وتتعلق بإسقاط الواجب، بحيث تتحول الغاية إلى وسيلة والوسيلة إلى غاية في حياة الكثير من العلماء، إسقاطًا للواجبات الثقيلة التي يُدعون إلى حملها وأدائها أداءًا شرعيًا كاملًا بدلًا من التنصل المتواصل من هذه الواجبات، وتمنِّي النفس وإيهامها بأن الأمور تسير في الطريق الصحيح.

فالكثير ممن يُحسبون على العلم نراهم يكتفون بأعمال صغيرة وهزيلة لا تصل إلى الحد الأدنى المطلوب منهم شرعًا ليستحقوا بذلك لقب العلم فضلًا عن أن يكونوا أئمة.

هذه ظاهرة أو بالأحرى آفة كبيرة منتشرة في أوساط العلماء، يصنعونها بأيديهم ليبرروا بها تقاعسهم عن أداء المطلوب، بل إن هناك قسطًا منهم يحرف الكلم عن مواضعه، فيصنع لأتباعه عجلًا له خوار يظلون يعكفون عليه هربًا من تبعات الانتماء الحقيقي إلى هذا الدين، الانتماء الذي يتطلب منهم أول ما يتطلب الدخول في مجابهات متواصلة مع الطواغيت وأصحاب الأهواء، بتعرية الباطل وبيان الحق للناس، {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} لكنهم يؤثرون السلامة على المخاطرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت