وتحضرني حادثة بيعة الصحابي ابن الحصين الذي جاء ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينما عرض عليه الإسلام بما فيه النفقة والجهاد، رفض الصحابي أن يبايع واشترط على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقبل كل الأركان ما عدى النفقة والجهاد، فنزع النبي يده من يد الصحابي وقال له: (دين لا نفقة فيه ولا جهاد! فبم تدخل الجنة؟) ، وحينها استدرك الصحابي وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: مدّ يدك يا رسول الله لأبايعك عليهن كلهن.
فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يقبل منه هذه البيعة الناقصة، وكان بإمكانه أن يقول مثلًا؛"دعني أدخله في الإسلام مؤقتا وفق شروطه هو، ثم بعد ذلك أعرض عليه ما تبقى من بنود وأركان وأحاول إقناعه بقبولها بالتدريج". لم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم وإنما أراد أن يُدخل الرجل إلى دين الله من بابه الصحيح، حتى يتحمل مسؤوليته كاملة ويدرك جيدًا نوع الطريق الذي ينتظره.
وهذا ما فعله أيضًا عليه الصلاة والسلام مع باقي الصحابة - خاصة في المرحلة المكية كما سنرى ذلك لاحقًا في هذا البحث - حيث كان يشترط عليهم أن يبايعوه ويدخلوا في الإسلام، ويقولون: (وماذا لنا إن نحن بايعناك يا رسول الله؟) ، فيقول: (ولكم الجنة) .
لا يربطهم بمصالح أو إغراءات مادية، ولا يخفي عنهم تبعات الطريق ومشقاتها، بل يوضح لهم منذ البداية ما سيلقونه من عنت ومشقة وتضحيات، حتى يكونوا على بينة من الأمر ويتقدموا بخطى واثقة مسؤولة، ما شاء الله لهم أن يتقدموا، فمنهم من يتساقط في الطريق، ومنهم من يثبت ويواصل المسير، ومنهم من يقضي نحبه شهيدًا قبل أن يرى النصر والتمكين.
هذه هي الدعوة، وهذا هو الطريق إليها، وهؤلاء هم الثابتون عليها من الدعاة والمدعوين، نسأل الله الثبات والاستقامة.
الجهرية أم السرية؟
في البداية أود أن أذكر بأن هدف الدعوة هو تعبيد الناس لربهم وذلك بإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده - كما عبر بذلك الصحابي ربعي بن عامر لقائد الفرس - ومن جور الأديان والمذاهب الدنيوية الظالمة الناقصة إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.