والدعوية والانغماس في الحياة العادية لكي يأمن العدو من جانبه، أو بأن يتحول إلى عون من أعوان الأعداء يقدم لهم خدماته مقابل أن يرفع عنه الطواغيت كل التهم السابقة وقد يمنحونه صلاحيات مادية ومعنوية كجزاء له على تغيير الاتجاه.
ولكن حينما يستحضر المؤمن جزاء ربه الذي ينتظره، وهو جنات عدن يجد فيها ما لا يخطر على باله من نعم وجزاء مقيم، حينما تتبدى له هذه الغاية السامية فإنه يستهين بكل الصعاب ويجد في حالة المطاردة والتخفي لذة عجيبة وكأنه ينتظر ليلة عرسه أو في صالة انتظار لفرج عظيم.
أثناء محنة السجن
في كثير من الأحيان، ولحكمة قدَّرها الله الحكيم الخبير، يسقط المجاهد أسيرًا لدى الأعداء، منها أن الله تعالى أراد لهذا العبد أن يستريح من عناء العمل والعطاء والتضحية والفداء، وأن يتفرغ لعبادته ومناجاته في محراب السجن والاعتكاف بعيدًا عن فتن الدنيا وصخبها.
أو أن الله تعالى أراد أن يُبعد عبده من فتن قد لا يصبر عليها وهو خارج السجن فينقص ذلك من إيمانه ودرجته عند الله، وقد رأينا هذه الحِكم الخفية في كثير من المواقف، وظهرت لنا واضحة بعد فترة، حينها ندرك لطف الله بعباده الصادقين، وأنه سبحانه يعلم ما لا نعلم ويرى ما لا نرى، وأنه لا يُقدر لعبده إلا خيرًا.
أو يُبعد عنه مصائب كانت ستصيبه في نفسه أو ماله، فالمؤمن مبتلى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة 155] ، وحينما يكون المؤمن أقوى إيمانًا فإن البلاء يكون شديدًا بقدر هذا الإيمان، أما حينما يكون ضعيف الإيمان فإن الله تعالى يرفق بحال عبده فيأتي الابتلاء على قدر إيمانه وصبره، لذلك قد يكون السجن إحدى هذه الوسائل الربانية لتقوية عبده وإبعاده عن مواطن الإبتلاء ريثما يشتد عوده ويكون مؤهلًا لتلقي أي نوع من أنواع البلاء.
أو قد تكون مرحلة السجن مرحلة إعداد روحي وبدني لهذا العبد قد لا تتأتى له لو بقي خارج السجن، فالمرء قد يبقى جاهلًا بحقيقة نفسه ومدى قدرته على تحمل تبعات الدعوة والجهاد، ويحسب نفسه من الذين يصمدون أمام الشدائد ويصبرون على قسوة العدو وبطشه، فسرعان ما يتنكب عن الطريق ويتساقط في طريق الدعوة والجهاد، ومن رحمة الله