بالسعادة والراحة وهو يقدم هذه التضحيات ويستنفذ الطاقات، دون أن يأخذ أي أجر مادي على ما يقدمه في سبيل دينه، وهذه لعمري قاعدة ومنطق لا تجده إلا في هذا الدين العظيم.
وكلنا يعلم ويتذكر بنود بيعة العقبة الثانية، والمقابل الذي كان ينتظره الأنصار من وراء هذه البيعة، فكان سؤالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فماذا لنا إن نحن بايعناك؟) ، فكان يقول: (ولكم الجنة) .
من هنا ينبغي أن نتعلم أن الالتزام بتعاليم هذا الدين والانتماء إلى دائرته لا يجب أن يكون مبنيًا على مصالح مادية أو شخصية، بل يكون المسلم مرتبطًا بالله عز وجل أولًا وآخرًا، لا ينتظر أجرًا من أحد، بل هو الذي عليه أن يقدم كل ما يملك للحفاظ على دينه وعقيدته، لكي يكون من الرابحين في تجارته مع الله عز وجل؛ {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [1] ، وكذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبةً في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} .
فالحياة في هذا الدين تبدأ أولًا؛ بهجر حياة الماضي بكل ما فيها من سلبيات ومحاولة كسر كل القيود القديمة التي كانت تمنع المسلم من الانطلاق والتحرر، ومن ثم تفجير طاقاته المخزونة - وما أكثرها - في عبادة الله عز وجل.
{قم الليل إلا قليلًا} ...
تبدأ هذه الحياة بترك الراحة والدعة، وتسخير بعض الوقت في التقرب إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، ويعتبر وسط الليل أو آخره من أهم هذه الأوقات على الإطلاق، ذلك أن المؤمن يتزود بطاقة ربانية تمكنه من التصدي لعواقب النهار والانتصار على الشهوات التي تلاقيه في الطريق.
(1) التوبة- 111 -