فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 735

إنهم ينفقون الأموال والأنفس في سبيل نصرة الباطل، ومن أجل الصد عن سبيل الله؛ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} . [1]

والأموال تعتبر من أعز ما يملكه الإنسان بعد النفس، رغم ذلك تراهم ينفقونها بلا حساب للصد عن سبيل الله، فهل نبخل نحن المسلمون والمؤمنون بما رزقنا الله من مال وصحة ومتاع، لنصرة الحق الذي سيرفع قدرنا في الدنيا والآخرة؟!!!

لا بد من الاستفادة من تجاربهم، في جميع مجالات الحياة، والاعتبار بهم، فنكون أحرص منهم في التعلم والتحصيل، وفي إخلاصهم في العمل، وفي حرصهم على الإنتاج والنجاح، وفي إصرارهم على تحدي العقبات، وكذلك في حرصهم على مؤسساتهم وكياناتهم بصفة عامة، كل هذا وهم في ضلال مبين.

كيف بنا ونحن نريد الآخرة، ونسعى إلى نشر الخير والحق بين الناس؟ كيف بنا ونحن نطمع فيما عند الله من الأجر والثواب، عزة وكرامة في الدنيا، ونعيم مقيم في الآخرة؟

ألا تستحق كل هذه الغايات النبيلة والأهداف السامية منا تضحية وفداء؟ تنازلًا عن بعض الأهداف الشخصية الآنية في مقابل الأهداف الباقية؟

نحن نريد أن ننقذ أنفسنا وأهلينا من عذاب النار أولًا؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [2] ، ويتم ذلك عبر إنقاذ أنفسنا من ذل الظالمين وظلمهم؛ {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [3] ، فالركون إلى الطواغيت وقبول ظلمهم والانقياد لهم وطاعتهم فيما يُغضِب الله عز وجل سيقودنا إلى غضب الله ومن ثم إلى عذابه في الآخرة، وبئس المصير.

ثم لننظر بعد ذلك إلى إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، لا أقول إخواننا السلف فحسب، بل أتحدث عن الخلف أيضًا، الذين تركوا الديار والأهل والعشيرة والأموال، وهاجروا في سبيل الله من أجل نصرة دينه، في شتى بقاع الأرض، يبتغون فضلا من الله ورضوانًا، لم تستطع الدنيا أن تأسرهم كما أسرتنا، ولم تلههم شهواتها ولا متاعها الزائل عن ابتغاء المتاع الحقيقي، جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، هؤلاء الأبطال، خَلَفُ السَّلَف، يقضون الليالي بين قيام ورباط، والنهار بين دعوة وحسبة وجهاد، ما أبهى منظرهم وهم على هذه الحال، وما أسعد جليسهم ورفيقهم، لله درهم من خير خلف لخير سلف.

لقد طلَّقوا النوم والدعة والراحة، ورضوا لأنفسهم متاعًا ونومًا قليلًا، عسى أن يشفع لهم عند ربهم، ويعوضهم ما فاتهم من خير وأجر وثواب، طالما ضَيَّعوه وحُرِمُوا منه في الأيام الخالية، لقد فهموا معنى الحياة، وأدركوا أن ما فيها ينفذ وما عند الله باق.

علموا أن لا خير في نوم عميق وراحة متواصلة واسترخاء عن أداء الواجبات، فكل ذلك مهلكة للنفس، وترك للثغور، وخذلان للحق الذي بايعوا الله على نصرته ونشره بين الناس، فلا يجتمع متناقضان، كما لا يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه، قلب يريد الدنيا ومتاعها الزائل، وقلب يبتغي الآخرة ومتاعها المقيم.

نستفيد من سِيَرِ هؤلاء ونتَّبِعُ سنتهم ننشرها بين الناس وهم أحياء، ونحث أنفسنا وغيرنا على الإقتداء بهم والموت على ما ماتوا عليه.

لقد قلَّ النصير في هذا الزمان، وقلَّ المخلصون لهذا الدين، فها نحن أولاء مدْعُوُّون للالتحاق بركب الدعوة والحسبة والجهاد، وهي سفينة النجاة التي ستنقذنا من الغرق، لا أقول الغرق في اليم، بل الغرق في الشهوات والملذات، وطول الأمل، غرق في ظاهره لذة ومتاع وفي باطنه خزي وندامة.

التحاق يبدأ بقيام الليل، والإقلال من الشهوات، والزهد المتواصل على ما في أيدي الناس من متاع زائل، سفينة النجاة هذه تريد ركابًا يكون وزنهم المادي خفيفًا، وارتباطهم بهموم الدنيا وتبعاتها أخف، بينما تشترط أن تكون همتهم عالية، ويقينهم في الله عظيم.

حينما نزل قوله تعالى: {يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر} [4] ، طوى رسول الله صلى الله عليه وسلم فراشه، وقال لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: (لقد انتهى عهد النوم يا خديجة)

(1) الأنفال - 36 -

(2) التحريم -6 -

(3) هود - 113 -

(4) سورة المدثر -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت