فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 735

الدليل القاطع بأن دخول العدو علينا لا يعني بأنه سينتصر، بل قد تكون هزيمته في عقر دارنا أقسى مما كان سيلتقاها في أرض أخرى، ذلك أننا في عقر ديارنا نجر العدو إلى المهالك ونعلم كيف نقود المعركة ونتحكم في مجرياتها.

لقد استفادت شعوبنا من هذه التجارب كلها، لأنها كانت تتابعها عن كثب ولا تزال، وقد استلهمت منها معاني الصبر والإقدام والشجاعة، واستطاعت أخيرًا أن تكشف حقيقة هذه الأنظمة الفاسدة التابعة للصليبيين، ففجرت فيها شرارة الغضب ورفض الظلم والإيمان بالنصر وترجيح كفة الحق على حساب كفة الباطل بكل أطيافه وفصائله.

لقد تعلم المسلمون خلال تجربة أفغانستان ثم في البلقان وبلاد القوقاز، أن دخول الكفار عليهم في عقر ديارهم فيه الخير الكثير، حيث أظهر لهم حقيقة هذا العدو ومواطن ضعفه والمفاصل التي ينبغي التركيز عليها في المعارك القادمة. كما أن العدو ينقل لنا عتاده وسلاحه إلى أيدينا ويكفينا عناء البحث عنه والتنقل والنفقة في سبيل الحصول عليه. كما أن هذا الدخول يدفع المسلمين إلى التفكير في الدخول على العدو، ورد الصاع صاعين أو أكثر.

لقد سارعت طوائف الجهاد إلى تنفيذ قوله تعالى {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] ، فكانت تلك السرايا المباركة التي سبقت غزوتي واشنطن ونيويورك، بمثابة السرايا التي سبقت معركة بدر الكبرى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء الدخول الأكبر من الباب الأوسع على رأس الكفر المتمثل في الغزوة سالفة الذكر، فبُهت الذي كفر، وتحقق وعد الله تعالى للمسلمين بالنصر والغلبة {فَإِنَّكُمْ غَالِبُونْ} وهو توكيد وتأكيد من عند الله جل وعلا.

وهاهي الشعوب المسلمة تستلهم منها هذا الإقدام فتدخل على هذه الحكومات المرتدة من باب الخوف الذي كسرته ومن باب الهيبة الذي حطمته، فبقيت هذه الأنظمة دون سلاحها الأساسي، فلم تنفعها جيوشها من الشرطة والجواسيس والمخبرين والإعلاميين، كما لم تنفعها أموال الشعب المسروقة من أجل شراء مزيد من ذمم الشعوب لأن هذه الأخيرة لم يعد يهمها سوى التحرر واسترجاع الكرامة المسلوبة، بل إنها قدَّمت الكثير من أبنائها ثمنًا لهذه الصفقة ولا مجال للتراجع مهما بلغت هذه التضحيات.

إن الدرس الذي ينبغي أن نستفيده من هكذا نهوض وانفجار هو أن ثورة الشعوب تشبه إلى حد بعيد الطوفان الذي لا يمكن أن يتوقف حتى يجرف كل ما يجد في طريقه، أو الحريق الذي يشب ويحرق الأخضر واليابس.

فالمطلوب منا أن ندع هذا الطوفان ينهي مساره ويبلغ غايته ونترك هذا الحريق الضخم يحرق كل ما يجد في طريقه ويلتهم كل الزبد والغثاء الذي من حوله، وبعدها نحاول ترتيب الأمور وفق النتائج المحصل عليها، ونعرف كيف نتعامل مع المستجدات في الساحة، مقرين أن ما حصل فيه خير كثير بلاشك، وأن ما أزيح من الطريق خير لمسيرة الحق وكان لابد أن يزول، وبأن هذه الشعوب جند من جنود الله يحقق بها قدره وقضاءه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت