إلى أصحابه فقال: (أقرأ عليكم السلام) ، ثم كسر سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل [1] .
وهنا أيضًا يتبين لنا عزم الرجل الأكيد على الاستشهاد، ولم يقل أحد من الصحابة بأنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، ولم يكن بإمكان الصحابي أن يقتل جميع الكفار بسيفه المكسور، إنما كانت نيته هي الفوز بالشهادة، وهي كافية لكي يكون عمله هذا مقبولًا وشرعيًا.
النموذج الخامس: وقال أبو بكر ابن عياش عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن جملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: (لا، قال الله لرسوله {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وإنما هذه في النفقة) [2] .
النموذج السادس: روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، عن أسلم أبي عمران، قال حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: (نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد) [3] .
أما أقوال السلف في تجويز هذا الأمر؛
فما قاله صاحب المغني - ابن قدامة المقدسي - حين سئل: (لو أن رجلًا من المسلمين اقتحم في صفوف الكفار وأيقن الهلكة مع يقينه بعدم حدوث النكاية في العدو، هل يجوز هذا؟) .
فأجاب: (نعم يجوز، وهذا حتى يعلم الكفار أن في أمتنا من يحب الموت أكثر من الحياة) .
(1) رواه مسلم
(2) رواه ابن مردويه
(3) رواه أبو داود والترمذي والنسائي