متداخلان لا تكاد تفرق بينهما البتة. السياسة عندنا لا معنى لها إذا لم تصبغ باللون الشرعي، لهذا سماها فقهاؤنا بالسياسة الشرعية وليس السياسة فحسب.
فقولهم بأن"حمل السلاح في مثل هذا الوقت يعد من وجهة نظر سياسية (انتحار سياسي) ".
أقول: أي وجهة سياسية يقصدون يا ترى؟ هل هي الوجهة العلمانية أم الوجهة الإسلامية؟ فإن كانت الأولى، فالأمر ليس فيه إجماع عندهم بأن العمل المسلح يعتبر انتحار سياسي، إذ أن الكثير من الحركات التحررية في البلدان الغربية العلمانية تتبنى العمل المسلح كاستراتيجية وكمبدأ لا يمكن الحياد عنه بحال، وعليه تبني مواقفها السياسية وتكسب شعبيتها وقيمتها على جميع المستويات، فهي ورقة قوية لا يمكن الاستغناء عنها بحال، وقد بينت التجارب صحة ومدى جدية وجدوائية هذا الاتجاه، في الضغط على حكوماتها واكتساب الكثير من حقوقها بالإضافة إلى اكتساب الشعبية والتجذر في المجتمع كلما صعّدت من عملها المسلح.
(يمكن الإشارة هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى كل من حركة إيتا الباسكية في إسبانيا وحركة إيرا أو الجيش الإيرلندي الجمهوري في إيرلندا الشمالية وبعض الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية) .
أما من ناحية الوجهة الإسلامية فالعمل المسلح هو الجهاد في سبيل الله بالمصطلح الشرعي، وهو ذروة سنام الإسلام وأعلى مراتب العمل والحركة بهذا الدين، فكيف يمكننا تسميته بالانتحار السياسي جزافًا وجهلًا؟؟!!
قديمًا وحديثًا أثيرت شبهة إلقاء النفس إلى التهلكة وهو المرادف الشرعي للإنتحار السياسي هذه، ولكن الإسلام بيّن لنا حقيقة من يلقي بنفسه إلى التهلكة، وهو الذي يمتنع عن النفقة في سبيل الله وعن الجهاد. ذلك ما ورد في الحديث الذي جاء عن أبي أيوب الأنصاري حيث فسر لنا المفهوم الحقيقي لكلمة إلقاء الأيدي إلى التهلكة وهي بعدم الإنفاق في سبيل الله واعتزال الجهاد في سبيل الله، وليس التضحية بالنفس وإلقائها وسط العدو وهو موقن بالموت (فهذا قمة الاستشهاد) بدليل إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمل الصحابي الذي رمى التمرات التي كان يقتات بها في معركة بدر ودخل وسط العدو يقاتل بسيفه حتى قتل، ولم يقل عنه أنه ألقى بنفسه إلى التهلكة أو كما يحلو للبعض اليوم أن يصفوا ذلك بالانتحار أو التهور أو ما أشبه من عبارات التثبيط والجهل بدين الله.