ما ينطبق على الفرد ينطبق كذلك على الجماعة، فالانتحار السياسي الذي يتحدثون عنه لا وجود له في قاموسنا الشرعي ولله الحمد، فالمسلم لا يرتبط بالنصر إلا بحدود ارتباطه بالشرع، فالشرع هو الهدف الأسمى الذي يجاهد من أجله المسلم، حتى وإن أدى ذلك إلى التضحية بنفسه،"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [الحديث] . فالمؤمن قد باع نفسه لله مقابل الفوز بالجنة ولم يُدخل جانب الربح المادي أو النصر في هذا العقد {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون} . [الآية] .
كما أن العمل المسلح يكون أحيانًا مفروضًا على الجماعة الإسلامية من قبل أعدائها فلا تملك والحالة هذه إلا الدخول في معمعة المعارك دون أن تلقي بثقلها الكلي فيها، رفعًا لبعض الظلم أو تحقيقًا لبعض المكاسب.
وفي كثير من الأحيان تكون النتائج على عكس ما تتمناه الجماعات الإسلامية، وفي هذا حكمة بل حكم لا يعلمها إلا الله، فهو ينصر عباده كيفما ومتى شاء، ويؤخر عنهم النصر أيضًا لأسباب لا نعلمها، لكن الله يعلمها.
فأمام هذه الظواهر لا يملك المؤمن إلا أن يتقبل إرادة الله عز وجل وسنته الشرعية والقدرية، ويرضى بهذه النتائج ثم يحاول قدر الإمكان البحث عن أسباب النصر التي تتوافق وإرادة الله عز وجل، والبحث عن أسباب الهزيمة والفشل ومواطن الضعف لملئها والارتفاع بمستوى التجمع نحو الأفضل.
وإذا ألقينا نظرة فاحصة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجده قد ظل ثلاثة عشر عامًا في المجتمع المكي، يحاول أن يدعو قومه بالتي هي أحسن ولم يلمح ولم يرفع شعار القوة ضدهم على طول الفترة المكية، رغم ذلك قوبل بالتكذيب والاستهزاء ثم بالتعذيب والتهجير ومحاولات القتل، حينما علم المشركون وأدركوا مدى خطورة ما يرفعه من مبادئ التوحيد في مواجهة معتقداتهم ومصالحهم المادية.
فأعداء الإسلام لا يتوانون عن محاربة أهل الإسلام والتوحيد حتى وإن لم يحاربهم هؤلاء، فمجرد وجودهم معهم يزعجهم ويقذف في قلوبهم الرعب والخوف وهذا يدفعهم إلى محاربة ومحاولة استئصال شأفة أهل الحق كما يبين ذلك رب العزة: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} وقوله عز من قائل: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون} [التوبة] .