فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 735

كما أود أن أذكر هنا في هذا المقام، أن قيمة حركة ما لا توزن بعدد أعضائها بقدر ما توزن بميزة هؤلاء الأعضاء، وهذه طبيعة هذا الدين أصلًا، إذ أن القلة دائمًا هي التي تحمل هذا الدين في البداية فتضحي في سبيله وتمتحن وتبتلى فتصبر وبعد ذلك يأتي الأنصار فيمكّن الله لها في الأرض وعندئذ، وعندئذ فقط يدخل الناس في دين الله أفواجًا.

أما عن تواجد أفراد هذه الحركات الجهادية خارج بلدانها فهذا ليس عيبًا، لا من الناحية الشرعية ولا العقلية - حتى من وجهة نظر سياسية حسب تعبير العصر- يعتبر عملًا فاعلًا ونافعًا لهذه الحركات، بحيث يمكن لهؤلاء الأعضاء أن يتحركوا في مأمن وينشروا قضيتهم من داخل هذه البلدان الآمنة، ما دام أنه ليس هناك أي تنازل عن المبادئ وعن المنهج.

فهذا يعتبر هجرة وهي داخلة في مرحلة الإعداد، وقد سبقنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أرسل ما يقارب من ثلثي أصحابه إلى الحبشة بحثًا عن المكان الآمن للدعوة، وبعدها بثماني سنوات انتقل هو بنفسه مع باقي أصحابه إلى المدينة المنورة لكي يقيم فيها دولته. لا يجب أن يُفهم من كلامي أن على الحركات الجهادية أن تنتقل إلى الخارج لكي تقيم دولتها الإسلامية هناك، ولكن عملية الانتقال والهجرة لابد منها كوسيلة للإعداد ونشر المنهج والمحافظة على بعض الأفراد من بطش الأعداء.

أما مسألة نقل المعركة إلى الخارج فهي مسألة تخص الحركة وهي وحدها التي تعلم إيجابيات وأسباب هذا النقل، إلا أنه يجب أن يُعرف أن الأنظمة المرتدة في بلداننا لها ارتباطات وطيدة مع هذه الدول التي نُّقلت المعركة إليها، ولها مصالح وأنشطة لا يمكن أن تستغني عنها داخل هذه البلدان الموالية، وضرب هذه المصالح يعد إضرارًا بالغًا وتحد سافر لهذه الدول مجتمعة، ويعتبر تعطيل لهذه المصالح وإضعاف للعدو. على أن تتحمل الحركات الجهادية مسؤولية أعمالها هذه وتستطيع أن تسخرها لخدمة أهدافها العامة.

أريد أن أقف الآن عند نقطة التواجد السياسي والإعلامي للحركات الجهادية في بلداننا، فخصوم هذه الجماعات يؤاخذون عليها عدم الظهور العلني والمكثف وبالتالي يكون تأثيرهم أخف ودعوتهم مجهولة ومنبوذة من طرف الجماهير.

أقول لهؤلاء بأن تعريفكم للعمل السياسي والإعلامي لابد أن يكون مبنيًا ونابعًا من الواقع والمحيط الذي نعيش فيه، فلا يمكن أن نمارس عملًا ما بدون مراعاة هذا الواقع المراد تغييره أو التأثير فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت