فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 735

ويحذر الله تعالى من مغبة الركون إلى الظالمين في قوله: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّار} ، والركون: هو الخضوع والتنازل عما يعتقده المرء خوفًا أو طمعًا، والمؤمن الحقيقي: هو الذي يركن إلى الله تعالى وحده دون سواه؛ في السراء والضراء، وفي المنشط والمكره؛ لأنه يؤمن بأنه ركنه الركين، وحبله المتين؛ {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} ، وفي قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [البقرة] .

والشيطان الرجيم يسعى دومًا - عن طريق عملية الإغراء - إلى إيقاع المسلم في المحظور، وإبعاده عن الالتزام الصحيح بدينه، والإفراط في مبادئه، وأولياء الشيطان - على جميع أنواعهم ومذاهبهم - يسلكون سبيل وليهم اللعين؛ لكي يبعدوا المؤمنين عن الصراط السوي، ويتبعوا سبل الشيطان الملتوية.

فأعداء الحق يودون لو أن المؤمنين يدهنون، خاصة في الأوقات التي تلقى فيها الدعوة استجابة وقبولًا لدى الناس، وتكون بضاعتهم الفاسدة في كساد، ويحاولون بشتى الأساليب صرف المؤمنين عن مبادئهم، أو التنازل عن بعضها، أو مجرد تمييعها؛ وذلك بخلطها ببعض المبادئ الجاهلية أو البدعية، وبمجرد أن يبدأ الداعية في الانحراف: يجد أمامه ألف داع وداع من شياطين الإنس والجن يزينون له هذا المسار، ويعدونه بالخير والفلاح: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} .

فلكي يتفادى المؤمن الوقوع في هذا المنزلق؛ عليه أن يتشبث بعقيدته، ويعض عليها بالنواجذ، ولا ينظر إلى المكاسب الآنية - مهما بدت له كبيرة -، وعليه أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم، ولو كانوا قلة أو مستضعفين، فإنه سرعان ما سيزول هذا الضعف بالثبات والاستقامة، و {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين} [البقرة] .

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في هذا المجال، وعلينا أن نتذكر مواقفه الثابتة على دينه؛ حينما عرض عليه كفار قريش المناصب والمال والجاه والسيادة، مقابل أن يتوقف عن سب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، والدعوة إلى التوحيد، فلم يلتفت إلى هذه العروض والإغراءات، رغم عظمها في فترة: كانت تتميز بالضيق والحصار وقلة النصير، وكان بإمكانها أن تفتح آفاقًا وسبلًا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيستغلوها لبسط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت