فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 735

لقد كان للكعبة سدنتها الذين يقومون على ضمان مصالحهم المادية؛ بخدمة الحجيج، والحفاظ على الأصنام وخدمتها؛ لكي تظل قبلة للجاهلين وأصحاب الأهواء، وحينما علم وأدرك الطغاة في هذا العصر خطورة أماكن العبادة وعلى رأسها المساجد: عمدوا إلى تنصيب سدنة تابعين لهم، يخدمون سياساتهم وينشرون دينهم؛ (أي دين الملوك والحكام) ، ويحاربون كل الدعاة المخلصين؛ بمنعهم من استعمال هذه المساجد للدعوة إلى الله، وإلى دين التوحيد، ومنعهم من بيان كل صور الشرك والتنديد.

فأصبحت المساجد دُورًا للعبادة (أي للصلاة) فقط، وجُرِّدت من كل مهامها الدعوية التي تجعلها قطبًا للمسلمين، وصلة وصل بين الأمة ودعاتها المخلصين، الذين يبلغون رسالات الله ولا يخشون أحدًا إلا الله، صار أغلبهم في عداد المسجونين أو المطاردين، أو لقوا ربهم شهداء، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على ربهم، فبقي في الساحة كل متردية ونطيحة وأدعياء خونة، وضعوا أيديهم في أيدي الطغاة؛ يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقطعون الطريق إلى الله عن عباده المؤمنين، وبخاصة شباب الأمة التواق إلى الدعوة الحقيقية، وإلى الجهاد بالمال والنفس لنصرة الدين.

مما خلق قطيعة كبيرة وواضحة بين الأمة وبين هؤلاء الدعاة، بل وأخطر من هذا؛ فقد استبدلت الأنظمة الطاغوتية بهؤلاء الدعاة المخلصين: دعاةً مزيفين؛ يسبّحون بحمد الطغاة، وينشرون دينهم، ويسعون في الأرض فسادًا بسكوتهم عن كفر وظلم وفسق هؤلاء الحكام، ويبحثون لهم عن مبررات شرعية وأوراق توت أو أثواب سابرية يوارون بها سوءاتهم، وأنى لهم وقد أزكمت رائحتها النتنة الأنوف، وبان عوارها حتى للأعمى؟.

فحاولوا نشر علم مبتور، بعيدًا عن العمل والتطبيق على أرض الواقع، وبعيدًا -بعد السماء عن الأرض- عن الفقه الحركي الذي يتفاعل مع قضايا الأمة المختلفة، ويقودها إلى التحرر من كل عبودية غير العبودية لله، ويجعلها رائدة وقائدة لكل الأمم.

فلم يبق سوى هؤلاء الأدعياء؛ يعيثون في الأرض فسادًا، وينشرون دينَ الملك، وعقيدةَ الإرجاء والتجهّم، وفقهَ الخنوع والانبطاح، وبقيةَ المناهج البدعية؛ لتكون وقاية للطغاة، وسياجًا لهم؛ فيستمروا في تعبيد الناس تحت عباءة الدين تارة، وباسم الديموقراطية تارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت