ووصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل مع هذه الدنيا، فيقول: (الدنيا مزرعة الآخرة) .
حتى لا يصطدم مع الفطرة البشرية التي جبلت على حب الدنيا، كما جاء في كتاب الله على لسان إبليس لآدم عليه السلام وهو يغريه لكي يأكل من الشجرة - الابتلاء -؛ {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى} [طه: 120] .
ويقول عليه الصلاة والسلام في الدعاء المأثور عنه: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، اللهم اجعلها في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا) .
ويعلق الله عز وجل قلوب عباده بالحياة الحقيقية وبالنعيم الدائم المقيم هناك في الآخرة، فيقول: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] ، ويقول: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى} [الضحى: 4] .
ثم يستنهض همم القاعدين عن أداء الأمانة والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق، فيقول: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل} [التوبة: 38] .
ويخاطب هؤلاء المغترين بما لديهم من متاع الدنيا؛ {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] .
ويقص علينا ما أصاب أصحاب الجنتين وقارون - كنماذج - حينما اغتروا بما رزقهم الله ليفتنهم فيه، فالقرآن الكريم مليء بالمعالجات لهذا المرض الخطير وكذلك السنة النبوية المطهرة.
لقد عمد الأعداء إلى تربيتنا على حب الدنيا والتمسك بها إلى حد العبودية، ليصعب علينا التضحية من أجلها - أو ببعضها - في سبيل المحافظة على قيمنا السامية أو استرجاع ما ضاع منها، وعلى رأسها عقيدتنا، فترى المسلم يفرّط في دينه مقابل دراهم معدودة أو مناصب موهومة، فيكون دينه أول ما يدفعه ثمنًا لدفع البلاء ورفع الحصار، فتساوينا مع الأعداء في حب الدنيا والتكالب على ملذاتها الزائلة، وجرَّنا هذا إلى التساوي معهم في الذنوب والمعاصي، كنتيجة حتمية لهذا الحب، بل منا من تفوق عليهم في إحداث ذنوب ومعاصي لم تكن في الأمم التي من قبلنا.
فكان لزامًا علينا - أفرادًا وجماعات - أن ننتبه إلى هذا المخطط الرهيب، ونسارع إلى إنقاذ ما تبقى من أبناء أمتنا، وذلك بالتربية الإيمانية القائمة على الزهد في هذه الدنيا،