والتخفيف من ملذاتها، وتدريب النفوس على البذل والعطاء والتعلق بالآخرة الباقية بدلًا من الدنيا الفانية.
لقد قامت هذه الأمة المختارة بدورها في قيادة البشرية نحو خيري الدنيا والآخرة، وعلمتها الأهداف الحقيقية لوجودها والوسائل الصحيحة لتحقيقها، فبقيت هذه النماذج ردحًا من الزمن تقوم بهذا الدور الريادي، ثم شاء الله أن يرفعها ويغيِّبها - لأسباب قدرية وشرعية - لتذوق البشرية مرارة اليتم والتيه والضلال عن الحق، وتعود إلى سابق عهدها من الجاهلية، فانغمست في حب الدنيا وجعلتها غاية غاياتها، وسخَّرت كل شيء في سبيل امتلاكها، فملكتهم هي وأصبحوا لها عبيدًا وخدمًا، فتتناحروا من أجلها، وهُتكت الأعراض في سبيلها، وتحولَّت إلى آلهة معبودة، لا يعرف الناس لها بديلًا.
كراهية الموت:
أما كراهية الموت؛ فهو نتيجة حتمية لحب الدنيا، والإنسان بطبعه محب للدنيا وكاره للموت، والقرآن الكريم قد عالجه هو أيضا بأسلوب لطيف بحيث يرينا الموت على أنها قوة ضئيلة حتى لا نهابه، ويصوره لنا كأنه باب للمرور إلى عالم الجنان والخلد بعيدًا عن صخب الدنيا وصداعه، فيخلص الإنسان أخيرًا إلى الرضا بالموت حين يأتيه، ويسعى قبل ذلك للاستعداد له ولما وراءه.
فيقول رب العزة: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادّةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} [الجمعة: 8] ، ويقول أيضًا: {أَْينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة} [النساء: 78] ، ويقول عز من قائل: {كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة} [آل عمران: 185] .
وهو تأكيد على حقيقة واحدة وحتمية، وهي أن الموت لابد آت؛ {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب} [الرعد: 38] ، و {لكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49] .
والحقيقة الثانية التي تشير إليها هذه الآيات؛ هي حتمية الحساب ومن ثم ضرورة الاستعداد لما وراء الموت.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتأ يحذر المؤمنين من مغبة نسيان الموت والاستعداد له، فيقول: (كن في هذه الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) .
ويقول: (الدنيا مزرعة الآخرة) .