فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 735

وكان يحث أصحابه على الإكثار من ذكر الموت، ويقول: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) .

لقد شاء الله أن يرحم هذه البشرية بصفة عامة، وهذه الأمة بصفة خاصة، فبعث فيهم خَلَفًا، ساروا على هدي وخطى أسلافهم، فكسروا قيود الرق والعبودية، ونفضوا غبار الذل والتبعية، ورفعوا شعار"أطلبوا الموت توهب لكم الحياة"، فجاءتهم الدنيا صاغرة، فتحرروا منها وحرروا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق هذه الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

ففقهوا معنى الشطر الثاني من الوهن، فاستعلوا على هذه الدنيا الفانية حينما أدركوا حقارتها، وعلموا أن الموت ماهو إلا باب ومعبر إلى الآخرة، وبأن الجهاد لا ينقص عمرًا، بل إن للموت أجلا محدودا، لا يمكن تقديمه أو تأخيره، وعليه، فلا داعي للهروب منه، بل ينبغي القيام بجميع الواجبات الشرعية، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله - باليد واللسان - وهذا هو الذي يحيي الأمة ويعيد إليها صدارتها ومركزيتها بين الأمم.

وهذا ما ينبغي إحياءه في النفوس، والتركيز عليه في عملية التربية الإيمانية للجنود في جماعات الحق، لتتمكن من استرجاع هيبتها المفقودة، والقيام بدورها الريادي، وكسر جميع الحواجز المادية والمعنوية، والاندفاع نحو طلب الشهادة وهم موقنون أنه لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، وبأن هذه الرغبة الجامحة في نيل الشهادة ومواجهة الأعداء وكل الصعاب التي تعترض طريق الدعوة والجهاد، لن يؤخر أجلهم أو يستقدمه إلا إذا وافق ذلك إرادة الله تعالى وقدره، واختياره لزمرة الشهداء، شوقًا إليهم كما يتشوقون هم للقائه.

ولقد تنبه أعداؤنا إلى هذا الأمر، وأدركوا خطورته على وجودهم ومناهجهم على حد سواء، وعلموا أن الإقدام على الموت وتقديم النفس في سبيل الحق من أفتك وأمضى الأسلحة التي لا يملكون حيلة للتصدي لها، فاستنفذوا جميع وسائلهم وأساليبهم لإرهاب المجاهدين، وبدأوا باستعمال أساليب الإغراء أو تحريض بعض المنهزمين من أبناء الأمة لصرف هؤلاء الأبطال عن طلب الموت في سبيل الله، واستبداله بطلب فتات الحياة والسقوط في أحضان الطغاة.

فعلى الدعاة والمربين في كل التجمعات الإيمانية؛ أن يرسخوا في نفوس الأتباع عدم الخوف من الموت وابتغاء ما عند الله، وأن يتعلموا فلسفة طلب الموت لتوهب لهم الحياة، ويحرصوا على لقاء الله أضعاف ما يحرص أعداؤهم على هذه الحياة، ليقلبوا معادلة الصراع لصالحهم، كما بدأت بوادره تلوح في الأفق من الآن.

وبعد ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت