علو الباطل وأهله، وإحجام الحق وأهله، وهي صورة منتشرة وغالبة منذ زمن ليس بالقصير، اعتاد عليها المسلمون حتى أصبحت هي الحالة الطبيعية لديهم، ما أدى إلى انتشار نوع من العجز والرضا بهذا الواقع، والاعتماد على المعجزات وانتظار علامات الساعة لتغيير الأوضاع بدلًا من البحث عن أسباب الضعف وتحصيل الوسائل اللازمة للتغيير، بعد الاعتماد على الله تعالى، وفق السنن الإلهية الثابتة. كما أن كثرة جنود الباطل وانتشار أنصارهم وحلفائهم في كل مكان، وإجماعهم على إبادة أهل الحق، من شأنه أن يقذف الوهن في قلوب المؤمنين وأنصارهم، ولكن حينما نتذكر قول الله تعالى {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ، ونؤمن بوعد الله بالنصر لعباده، فإنه سرعان ما ينجلي هذا الوهن ويحل محله الاستعلاء والثقة بالله تعالى.
إن انتفاش الباطل وأهله لا يعدو أن يكون مرحلة من عمر هذه المعركة الأبدية بينه وبين الحق وأهله، وهو من شأنه أن يشحذ هممنا ويقوي عزائمنا من أجل المزيد من العمل والمثابرة والصمود لتغيير معادلة الصراع القائم بيننا وبينه، ولمحاولة ترجيح كفة الحق.
ولا ينبغي أن تكون غلبة الباطل - لحين أو لسبب ضعفنا - مدعاة وسببًا لانتشار الوهن في نفوسنا، لأن الباطل مهما علا وانتشر فإنه سرعان ما سيزول لأنه قائم على فراغ {وُقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} .
وخير شاهد على هذا، هذه التجارب التي نعيشها اليوم، حيث نرى الباطل - بالرغم من استعلائه وغلبته في الظاهر - يتوارى ويندحر، ويحسب كل صيحة عليه، ولا يحس بالأمن والأمان، بل إن المؤمنين الصادقين - بالرغم من قلة عتادهم وعددهم - يتواجدون في مواقع متقدمة وليس لديهم ما يحرصون عليه من غثاء هذه الدنيا، حملهم خفيف وزادهم الإيماني ثقيل، يمكِّنهم من مواصلة الصراع والتصدي لكل هجمات العدو.
أما أهم مظاهر هذا الوباء؛
فهي أنك ترى المصاب به يحاول إخفاء ضعفه وتقاعسه والظهور بمظهر العامل المتحرك، وهو في الحقيقة يدور في حلقة مفرغة، لمجرد إسقاط الواجبات أو التذرع بأعذار واهية لتبرير هذا التقاعس، بينما يغض الطرف عن الأسباب والمعوقات الحقيقية. ولو أنه صرَّح بها لإخوانه لأعانوه على تجاوزها، ولوصفوا له الدواء المناسب للنجاة من هذا المرض وهو بعد في مهده حيث يكون العلاج أسهل.
ومن المظاهر الخطيرة على الجماعة لوهن العزيمة لدى بعض الأفراد؛