فهرس الكتاب
بقي هناك عنصر أخير لا بأس من التطرق إليه لأن له علاقة وطيدة بما يحدث في ليبيا أو على الأقل سيكون له علاقة بمستقبل البلاد وتطور الأحداث فيها، يتعلق الأمر بالأنظمة العربية المرتدة وباقي أنظمة ما يسمى بالدول الإسلامية زورًا، وأقصد كل الدول التي تدخل فيما يُسمى بجامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، وهي مؤسسات رسمية تعتبر ليبيا عضو فاعل فيها.
فما حدث في ليبيا قد زعزع هذه الأنظمة بلا شك إذا استثنينا مصر وتونس، حيث أن الأحداث قد سبقت هناك وكانت بمثابة الشرارة للأحداث في ليبيا.
فالأنظمة العربية تخشى من تكرار هذه التجارب، فكل واحدة تعتبر نموذجًا متميزًا عن الأخرى، ولعل النموذج الليبي يُعتبر من أهمهم على الإطلاق نظرًا لطبيعة النظام الحاكم هناك، حيث أن القذافي يجمع الملك والرئاسة والثروة، واستحوذ على ممتلكات البلاد كما هو شأن جل أمراء وملوك العرب، فهناك إذن تشابه كبير بينهم، وقد يفتح هذا التغيير الحاصل في ليبيا شهية بقية الشعوب لتكرار التجربة.
بالإضافة إلى طريقة التغيير في ليبيا حيث أن عنصرًا خارجيًا قد تدخل في الأحداث وهو حلف الناتو بآلته العسكرية بموازاة مع الدعم السياسي لدول الحلف كذلك، فهذه الأنظمة تخشى أن تتكرر هذه التجربة في أي لحظة.
ومن هنا نفهم سبب تماطلها وحيادها أثناء الثورة الليبية، فقد كانت الأنظمة أقرب إلى القذافي منها إلى الشعب الليبي المظلوم، حيث كانت تتمنى أن تفشل الثورة ويبقى القذافي ثابتًا في الحكم ليكرس واقع التوريث ويبعد إمكانية تغيير هؤلاء الحكام سواء عبر الانقلابات أو الثورات، بل من هذه الأنظمة قد قدم الدعم العسكري واللوجستي لنظام القذافي كما هو حال النظام الجزائري الذي لم يعترف إلى الآن بانتصار الشعب الليبي في ثورته.
لكن الله تعالى أراد غير ذلك، فكانت الثورة الليبية نموذجًا آخر أمام الشعوب العربية والمسلمة لتنهض من سباتها وتبحث عن حقوقها وتزيح حكامها الظالمين بأيديها، فزمان التهيب والخور والذل قد ولى إلى غير رجعة، وحلَّ محله زمن الإقدام والعزة والكرامة، والاعتماد على الله عز وجل ثم على سواعد المؤمنين لتغيير الأحوال وصناعة الأحداث، وتسيير الأمور بأنفسنا دون الحاجة إلى غيرنا، لأن الشعوب المؤمنة تمتلك كل مقومات النصر التي غيبها عنها الطغاة لعقود من الزمن.