لما جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى قريش وعرض عليهم الإسلام، وهو يقول بأن بإن دينه هو دين إبراهيم - عليه السلام - قالوا: نحن على دين إبراهيم فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه وأتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول صلى الله عليه وسلم خطة وسطا بينهم وبينه ; وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وفي رواية أن يعبد المسلمون آلهتهم عامًا مقابل أن يعبد المشركون الله تعالى عامًا، وأن يسكت النبي عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط! [1]
أقول: لقد نجح مشركو اليوم من عقد صفقة أكثر ربحًا من التي عرضها مشركو قريش على المسلمين، فهاهم من يتسمون بالحركات الإسلامية السياسية قد قبلوا كل شروط الأنظمة المرتدة في بلداننا، وتنازلوا عن كل مبادئ دينهم فيما يخص الحكم ومنه تتفرع كل المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، فقبلوا بدستور كفري وضعي لا تجد فيه رائحة الإسلام، والكلمة الفصل فيها للقوانين الوضعية، مقابل ماذا؟ مقابل أن يكونوا أعضاء في الحكومة التي تنفذ بنود هذا الدستور، أو حتى يكونوا هم من يرأس هذه الحكومة ولهم فيها حصة الأسد. إن هؤلاء القوم بحاجة إلى قراءة سورة"الكافرون"وفهمها ليدركوا في أي مستنقع سقطوا، وفي أي هاوية انحدروا:
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [2]
"نفي بعد نفي، وجزم بعد جزم، وتوكيد بعد توكيد، بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد."
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ... ناداهم بحقيقتهم، ووصفهم بصفتهم، إنهم ليسوا على دين، وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون، فلا التقاء إذن بينك وبينهم في طريق" [3] ."
وليس كما يدعي هؤلاء المحسوبين على الإسلام أولئك المرتدين بأنهم إخوانهم، ويسعون بكل طريقة من أجل الالتقاء بهم والاجتماع معهم وفق دستور كفري ظهر فساده ونقصه وظلمه للقاصي والداني.
إنها إذن دعوة لعبادة آلهة هؤلاء المرتدين الجديدة، وهي صنم الديموقراطية إضافة إلى صنم الوطنية الذي يجتمعون عليه من دون الله عز وجل، حتى صارت هذه الوطنية الوتر الحساس الذي يضرب عليه الجميع، والمعول الذي يهدمون به كل القيم والمبادئ وأصول ديننا الحنيف.
" (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) . . فعبادتي غير عبادتكم، ومعبودي غير معبودكم."
(وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) فعبادتكم غير عبادتي، ومعبودكم غير معبودي.
(وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ) . . توكيد للفقرة الأولى في صيغة الجملة الإسمية وهي أدل على ثبات الصفة واستمرارها.
(وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) . . تكرار لتوكيد الفقرة الثانية. كي لا تبقي مظنة ولا شبهة، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر بكل وسائل التكرار والتوكيد!" [4] "
(1) يراجع كتب السيرة لمزيد من التفصيل
(2) سورة الكافرون
(3) في ظلال القرآن: تفسير سورة الكافرون - سيد قطب رحمه الله
(4) نفس المصدر