فأقصى ما يمكن أن ينعم به المسلم الموحد في بلداننا المرتدة هو أن يجد مسجدًا يقيم فيه الصلوات المفروضة سرعان ما تصفد أبوابها بعد دقائق معدودة من انتهاء الصلاة، ويمنع الناس من الاعتكاف في رمضان وغيره من الشهور، والعلماء والخطباء وطلبة العلم من إلقاء بعض الدروس أو عقد حلقات تعليمية خوفًا من نشر الفكر السلفي الجهادي الذي يسمونه بالفكر الضال أو بالأفكار الإرهابية.
ويسمحون لك بممارسة الشعائر الأخرى تحت المراقبة مثل الزواج والعقائق والجنائز، بل غالبًا ما تشوبها بدع كثيرة وطوام عظمى تساهم الأنظمة الحاكمة في نشرها والتشجيع عليها في الوقت الذي يمنعون فيه الدعاة المخلصين من استغلال هذه المناسبات لنشر بعض الحقائق أو الصدع ببعض الحق.
لقد نجح الأعداء في استدراج الكثير من الحركات الإسلامية ومن يُحسب على الإسلام إلى ساحة العمل السياسي بغية توريطهم في جرائم التشريع من دون الله وتشويه سمعتهم بحيث يناقضون مبادئهم التي يؤمنون بها وينطلقون على أساسها في الساحة.
" (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) . . أنا هنا وأنتم هناك، ولا معبر ولا جسر ولا طريق!!!"
مفاصلة كاملة شاملة، وتميز واضح دقيق.
إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان، وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها. وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف. أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلا. ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى! واختلاط عقائدها وأعمالها وخلط الصالح بالفاسد فيها , قد يغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد. . وهذا الإغراء في منتهى الخطورة!
إن الجاهلية جاهلية , والإسلام إسلام. والفارق بينهما بعيد. والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته. هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه.
وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية: تصورا ومنهجا وعملا. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق. والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام.
لا ترقيع. ولا أنصاف حلول. ولا التقاء في منتصف الطريق. . مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام , أو ادعت هذا العنوان!
وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس. شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء. لهم دينهم وله دينه، لهم طريقهم وله طريقه. لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم. ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير!
وإلا فهي البراءة الكاملة , والمفاصلة التامة , والحسم الصريح. . (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) . .