فهرس الكتاب

الصفحة 3514 من 5447

فنقول: لما كان الكلام دائرًا في أحكام العقل الثلاثة الوجوب والاستحالة والجواز قدمنا بفصل في توضيح معانيها فائدة لمن لم يقف على ذلك. ثم نحرر المقصود بالقضايا المختلف فيها؛ لأن محل النزاع هو صحة أو فساد قضيتين تعبران عن اعتقادين من اعتقادات أهل السنة. الأولى: أنه لا يقبح من الله سبحانه شيء. والثانية: استحالة وجوب شيء على الله سبحانه، المعبر عنه في كلام المشايخ بأنه لا يجب على الله شيء. ويتفرع عن هاتين القضيتين مسائل ذكر خليفات منها اثنتين: الأولى: جواز تعذيب المطيع وتنعيم العاصي. والثانية: جواز التكليف بما لا يطاق. فهاتان قضيتان ينبني إثبات صحتهما أو فسادهما على فهم معاني الأحكام العقلية: الجواز والاستحالة والوجوب. وكذلك يتوقف على إثبات أصليهما. وسنبين كل ذلك بتفصيل إن شاء الله.

(فصل) في بيان مفهوم الأحكام العقلية

الوجوب العقلي هو عدم قبول الانتفاء في العقل، فالواجب ما لا يتصور العقل نفيه، أي ما لا يمكن للعقل أن ينفك عن إثباته. والاستحالة ضد الوجوب فهي عدم قبول الثبوت في العقل، فالمستحيل ما لا يتصور العقل ثبوته، أي أن العقل لا ينفك عن نفيه وسلبه والحكم بعدمه كلما عرض مفهومه على العقل. أما الجواز أو الإمكان العقلي فهو تمام القسمة العقلية بين الوجوب والاستحالة، فهو قبول الثبوت والانتفاء في العقل؛ فالجائز العقلي هو ما يتصور العقل ثبوته ونفيه، أي أنه عند عرضه على العقل فإن العقل ينفك عن إثباته كما ينفك عن نفيه. ودليل الحصر أن المعلوم إما أن لا ينفك العقل عن إثباته وهو الواجب، أوْ ينفك عن إثباته كما ينفك عن نفيه وهو الجائز، أو لا ينفك عن نفيه وهو الممتنع لذاته. ولا ثالث بين الإثبات والنفي كما هو مقرر. فثبت بذلك انحصار الأحكام المذكورة في الثلاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت