فهرس الكتاب
لكن قد يقول قائل: لقد وردت بعض الروايات الدالة على خلاف ما ذكرت ( من أشهر من قال ذلك الإمام ابن عبد البر ، والاستدلال المذكور هو من أقوى استدلالاته ، والجمهور على خلافه كما ذكرنا ) ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابي ثعلبة: (( تاتي ايام للعامل فيهن أجر خمسين ) ). قيل منهم أو منا يا رسول الله؟. قال: (( بل منكم ) ). ( رواه أبو داوود 4341 ، والترمذي 2 / 177 ، وابن ماجة 4014 ، وابن حبان 1850 ، قال الترمذي: حديث حسن غريب ، صححه الالباني بشواهده -الصحيحة 494 ) .
وكذلك ما روى ابو جمعة رضي الله عنه ، قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أحد خير منا ؟ اسلمنا معك وجاهدنا معك ؟ . قال: (( قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ) ). ( رواه أحمد والدارمي 4 / 106 ، والطبراني 4 / 22-23 ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي 4 / 85 ، قال ابن حجر: إسناده حسن - الفتح 7 / 6 . انظر الفتح الرباني 1 / 103 -104 ) .
وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث والأحاديث السابقة من عدة وجوه ، أهمها:
الوجه الأول: حديث (( للعامل فيهن أجر خمسين ) )لا يدل على الأفضلية ، لأن مجرد زيادة الأجر على بعض الاعمال لا يستلزم ثبوت الأفضلية مطلقا .
الوجه الثاني: أن المفضول قد توجد فيه مزايا وفضائل ليست عند الفاضل ، ولكن من حيث مجموع الخصال لا يساوي الفاضل .
الوجه الثالث: يقال كذلك: إن الأفضلية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه ، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك ، اما ما اختص به الصحابة رضوان الله عليهم وفازوا به ، من مشاهدة طلعته صلى الله عليه وسلم ورؤية ذاته المشرفة المكرمة ، فامر من وراء العقل ، غذ لا يسع احد أن ياتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلا عن أن يمائله . ( الصواعق المحرقة للهيثمي ) .