قال:"ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول. لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة. ولم يحصل بين الصحابة نزاع في ذلك كما تنازعوا في بعض مسائل الفقه. (...) كثير من أهل العبادة أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يعرف به طريق الله ورسوله، فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ. وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد، كلها منصوصة في الكتاب والسنة. وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن الكتاب والسنة. فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف. وهكذا طريق العبادة، عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الإعراض عن الطريق المشروع. (...) والصحابة (...) لم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله التي يعبر بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين".
حصل من كلام شيخ الإسلام أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون السلوك إلى الله في الطريق التي يصير بها الرجل وليا من أولياء الله الأبرار المقربين، وأنهم ما تنازعوا في ذلك، وأنهم تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاغا قرآنيا وبيانا سنيا. ولم يتعرض شيخ الإسلام رحمه الله إلى عقدة الأمر كله في السلوك، ألا وهو الرابطة القلبية، رابطة المحبة والتفاني في الولاء لشخص الرسول الكريم على الله. لنا إن شاء الله رجوع لموضوع المحبة، وما سموا صحابة إلا لصحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فضلوا الأمة إلا بها، ولا نالوا الدرجات العلى. وليست الصحبة تطبيقا مجردا للنصوص وامتثالا جافا عسكريا للأوامر، إنما هي محبة تثبت وترسخ وتنمو وتتجذر في القلوب بالملازمة والمخالطة والمعايشة والتلمذة حتى يملك حب المصحوب على الصاحب كيانه كله.