وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
وقد بينا أن القرآن يذكر النية والإخلاص بصيغ مختلفة، مثل: إرادة الآخرة، وإرادة وجه الله تعالى، أو ابتغاء وجهه وابتغاء مرضاته، وذكرنا من آيات كتاب الله ما يدل عليه.
وأحيانا يعبر عن ذلك بقوله: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وخصوصا مع الإنفاق والجهاد والقتال. وقد صح الحديث أن القتال لا يكون في سبيل الله، إلا إذا كان هدفه وغايته: أن تكون كلمة الله هي العليا، ومثل ذلك يقال في الإنفاق والجهاد بكل صوره، فلا يكون ذلك في سبيل الله ما لم يتحرر المقصود به، وهو إعلاء كلمة الله.
وقد بين القرآن الفرق بين غاية المؤمنين وغاية الكافرين في قتالهم، فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء: 76] ، فالأولون يقاتلون لإعلاء كلمة الله، وهي كلمة التوحيد والحق والعدل والخير، التي تتمثل في دينه وشرعه، والآخرون يقاتلون، لإعلاء كلمة الطاغوت، وهو كل ما يعبد أو يعظم ويطاع طاعة مطلقة من دون الله، وهي كلمة الشرك والباطل والظلم والشر والطغيان.
وكم أشاد القرآن بالمخلصين الذين لم يريدوا بأعمالهم إلا وجه الله تعالى، يبتغون مرضاته، ولا يركضون وراء رضا الناس وثنائهم.
من هؤلاء: الأبرار الذين يطعمون الطعام لوجه الله، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورا، وهم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 5 - 10] .