العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال، أو ليكون عزيزا بين العشيرة، أو ليكون عقاره أو ماله محروسا بعز العلم عن الأطماع، أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص عن كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث، أو تكفل بخدمة العلماء أو الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس، أو لينال به رفقا في الدنيا، أو كتب مصحفا ليجود بالمواظبة على الكتابة خطه، أو حج ماشيا ليخفف عن نفسه الكراء، أو توضأ ليتنظف، أو يتبرد، أو اغتسل لتطيب رائحته، أو روى الحديث ليعرف بعلو الإسناد، أو اعتكف في المسجد ليخف كراء المسكن، أو صام ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام، أو ليتفرغ لأشغاله فلا يشغله الأكل عنها، أو تصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه، أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض، أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله، أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بعين الصلاح والوقار، فمهما كان باعثه هو التقرب إلى الله تعالى، ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه، بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص، وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشرك، وقد قال تعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكَةِ.
"وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه، وزال به إخلاصه، والإنسان مرتبط في حظوظه، منغمس في شهواته، قلما ينفك فعل من أفعاله، وعبادة من عباداته، عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس، فلذلك قيل: من سلم له من عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله نجا، وذلك لعزة الإخلاص، وعسر تنقية القلب من هذه الشوائب، بل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى، وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعثة وحدها فلا يخفى شدة الأمر على صاحبه فيها، وإنما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرب وانضافت إليه هذه الأمور، ثم هذه الشوائب،"