فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 116

إما أن تكون في رتبة الموافقة، أو في رتبة المشاركة، أو في رتبة المعاونة كما سبق في النية.

"وبالجملة .. فأما أن يكون الباعث النفسي مثل الباعث الديني، أو أقوى منه، أو أضعف، ولكل واحد حكم آخر كما سنذكره، وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها، قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصد التقرب فلا يكون فيه باعث سواه، وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستهتر بالله، مستغرق الهم بالآخرة، بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار، حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا، بل تكون رغبته فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة، فلا يشتهي الطعام لأنه طعام، بل لأنه يقويه على عبادة الله تعالى، ويتمنى أن لو كفى شر الجوع، حتى لا يحتاج إلى الأكل، فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة، ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده، لأنه ضرورة دينه، فلا يكون له هم إلا الله تعالى، فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب، أو قضى حاجته، كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته وسكناته، فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده كان نومه عبادة، وكان له درجة المخلصين فيه، ومن ليس كذلك فباب الإخلاص في الأعمال مسدود عليه إلا على الندور، وكما أن من غلب عليه حب الله وحب الآخرة فاكتسبت حركاته الاعتيادية صفة همه وصارت إخلاصا، فالذي يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرياسة وبالجملة غير الله، فقد اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة، فلا تسلم له عباداته من صوم وصلاة وغير ذلك إلا نادرا."

"فإذن علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة، بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ذاك يتيسر الإخلاص، وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله، ويكون فيها مغرورا، لأنه لا يرى وجه الآفة فيها، كما حكى عن بعضهم أنه قال: قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد في الصف الأول، لأني تأخرت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت