فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 116

يوما لعذر فصليت في الصف الثاني، فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني، فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان مسرتي، وسبب استراحة قلبي، من حيث لا أشعر! وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله، وقل من يتنبه له إلا من وفقه الله تعالى، والغافلون عنه يرون حسناتهم كلها في الآخرة سيئات وهم المرادون بقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ. وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 47 - 48] ، وبقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103 - 104] . وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء، فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح والاستتباع، والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يلبس عليهم ذلك، ويقول: غرضكم نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق، ووعظه للسلاطين، ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه، وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين، ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظا، وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه، ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى، إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره، ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه، ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك، إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود، ولا يدري المسكين أن انقياده للحق، وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثوابا، وأعود عليه في الآخرة من انفراده.

"فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق، يغرق فيه الجميع، إلا الشاذ النادر والفرد الفذ، وهو المستثنى في قوله تعالى: إِلَّا عِبَادَكَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت