فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 204

وما ترك دينارا ولا شاة ولا بعيرا، ولم يترك إلا سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة؛ وقد كان فراشه جلدا مدبوغا وحشوه ليف، وكان ينام أحيانا على سرير من خوص النخل حتى يؤثر بجنبه الشريف عليه الصلاة والسلام، وكان ينام جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع، فلا يمنعه ذلك عن صيام يومه، ولو شاء لجمع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها.

قالت إحدى نسائه: كنت أبكي رحمة له مما أراه، وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغ من الدنيا ما يقوتك، فيقول: ما لي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم، وأجزل ثوابهم، فأستحي من الله أن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم، وما من شيء هو أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي.

وإذا أردنا استيفاء جميع أخلاقه الحميدة، وعموم صفاته المجيدة احتجنا إلى تطويل لا يحتمله هذا الكتاب المراعى فيه الاختصار.

وبما ذكرناه يظهر للعاقل المنصف المتدبر أن اختصاصه عليه السلام بتلك المحاسن وتحليته بهذه المكارم مع أنه تربى يتيما بين أمة جاهلية تغلب عليهم القسوة والجور، وخشونة الطباع، وعدم التهذيب، ما كان ذلك إلا بمحض عناية من الله تعالى به، وإقامته بمنصب رفيع، ومقام جليل، ومن تكون فيه تلك الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة، والعقل الثاقب، والرأي الصائب، ما كان ليتلبس بصفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت