فتممت لنا الدعوى وهي: أن هذا العالم الحادث لا بد له من محدث. ثم إن هذا المحدث لا بد أن يكون موجودا، لأن المعدوم لا يصلح أن يكون موجدا لشيء كما هو ظاهر، فثبت بجميع ما تقدم وجوب وجود محدث موجد لهذا العالم واستحالة عدمه وهو المطلوب من هذا البحث، وقد سمي العقلاء هذا الموجد للعالم بإله العالم، ووردت الشرائع بتسميته باسم الجلالة وهو الله تبارك وتعالى.
يجب لله تعالى القدم، ويستحيل عليه تعالى ضده وهو الحدوث، والدليل على ذلك أنه سبحانه لو كان حادثا لاحتاج إلى محدث ومحدثه - مع فرضه حادثا - يحتاج إلى محدث، وهكذا، فيلزم إما الدور وإما التسلسل، وكلٌّ من الدور والتسلسل محال. فما أدى إلى واحد منهما وهو حدوث الله تعالى يكون محالا، وإذا استحال حدوثه وجب أن يكون قديما وهو المطلوب.
أما الدور فهو: توقف وجود كل من الشيئين على وجود الآخر، فيلزم أن كلا منهما وجد قبل وجود سببه، فيلزم أن يوجد قبل وجود ذاته، وهو ظاهر البطلان، فلو قلنا: إن الإله الذي توقف عليه وجود العالم توقف وجوده على العالم لزم أن العالم قد وجد قبل وجود الإله الذي كان سبب وجوده، فيلزم أن يكون وجد العالم قبل وجود ذاته، وهو ظاهر البطلان.