وأما التسلسل فهو: ترتب أمور وتعاقبها في جانب الأزل لا نهاية لها، وإنما حكم العقل باستحالته، لأنه يستلزم المحال، وما يستلزم المحال يكون محالا.
وقد ذكر العلماء لبيان استحالة التسلسل عدة أدلة، نذكر منها هنا ما يسهل فهمه، فنقول: لا شك أن العقل يحكم قطعا بأن الشيء الذي يكون محصورا بين حاصرين لا بد أن يكون متناهيا، واجتماع كونه محصورا بين حاصرين وكونه غير متناهٍ محال، فلو كان التسلسل جائزا عقلا لساغ لنا أن نفرض خطين يخرجان من نقطة بصورة ساقي شكل مثلث ذاهبين إلى غير نهاية، فأجزاؤهما بمنزلة أمور مرتبة متعاقبة في جانب الأزل غير متناهية، ثم لنا أن نفرض المسافات التي بين هذين الخطين ونعتبرهما خطوطا تمتد وتطول كلما امتد الخطان وتباعدا هكذا ...
فإذا قلنا بعدم تناهي الخطين يلزم منه عدم تناهي المسافات بينهما التي اعتبرناها خطوطا، فلا بد أن تنتهي إلى خط من تلك الخطوط غير متناه، والحال أنه محصور بين حاصرين، وهما الخطان، وقد تقدم: أن المقدار الذي يكون محصورا بين حاصرين لا بد أن يكون متناهيا، واجتماع كونه محصورا بين حاصرين وكونه غير متناهٍ محال، فما أدى إليه وهو عدم تناهي الخطين الذي فرضنا فيه التسلسل يكون محالا، فبعد بيان أن كلا من الدور والتسلسل محال