ذلك منه سببا لاتصافه به كيفية الأسباب في جانب مسبباتها. وهذا من العبد هو الكسب، والله تعالى عند ذلك يوجده بقدرته. وهذا هو الخلق، وهذا المذهب المتوسط بين الإفراط والتفريط، فلا نقول بأنه: لا دخل للعبد في جميع أفعاله، ولا نقول بأنه: لا دخل لله في أفعال العباد الاختيارية، بل نقول: إن الله تعالى خالق أفعالهم وهم يكتسبونها، وعلى كسبهم يثابون أو يعاقبون.
يجب لله تعالى الإرادة، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يخصص بها كل جائز ببعض ما يجوز عليه. ويستحيل عليه ضدها وهو الكراهية، والدليل على ذلك أنه قد ثبت أن هذا العالم لم يحدث بذاته، وإنما حدث عن الله سبحانه، وحينئذ نقول: إن حدوث العالم عنه تعالى إما أن يكون بطريق العلّيّة والضرورة بدون إرادة واختيار، وإما أن يكون بطريق الإرادة والاختيار، أي أنه هو الذي أراد وجوده واختاره وعين له الوقت الذي يوجده فيه، لا جائز أن يكون حدوث العالم عنه تعالى بطريق العلّيّة والضرورة بدون اختيار، لأنه لو كان الأمر كذلك - والله سبحانه قديم - للزم قديما، لأنه حينئذ يكون معلولا لله تعالى. والمعلول يجب أن يتبع علّته ولا يتأخر عنها، وقد ثبت أن العالم حادث وجد بعد أن لم يكن، فلم يكن حدوثه عن الله تعالى بطريق العلّيّة والضرورة، فلم يبق أنه حدث بإرادة الله تعالى واختياره