الكذب والاحتيال، ويخدع الناس بزخارف المحال، ويدعي افتراء على الله تعالى أنه رسوله قد اختاره واصطفاه على من سواه، إنا نرى العاقل منا يمنعه عقله، ويأبى عليه ضميره، أن يكذب كذبة واحدة على رجل مثله أو دونه وتأنف نفسه الشريفة أن يقدم على ذلك ولو اضطره الحال؛ فكيف أن من كان عقله في أعلى درجات الكمال، وهو متصف بأشرف الخصال، يُقْدِم بالكذب على الإله الكبير المتعال، ويمارس ذلك على ممر الأيام والليالي، معاذ الله أن يقدم على ذلك من له أدنى عقل وأقل كمال.
ثم الغريب من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكل أحواله غريبة - وهو دليل على صدقه، وإعانة الله تعالى له: أنه قلب حال الأمة التي قام بينها وهي أمة جاهلية، مغموسة في بحار الجهالات والضلالات، في العبادات والعادات، فرفعها من حضيض الرذائل إلى أوج الفضائل، فبدل جورها بالإنصاف، وخشونتها باللين، وجهلها بالعلم والمعرفة، وعداوتها بالمحبة والألفة، ومحاربتها الجورية بالسلام والأمان، وشقاءها بالنعيم، وضلالها بالهدى إلى الصراط المستقيم، وعصيانها بالطاعة، وفرقتها بالجماعة، وضعفها بالقوة، وخيانتها بالإعانة، وفحشها بالعفة والصيانة، وقد كان عندها من حميد الشمائل الكرم، ولكنه مشوب بالتبذير والإسراف، والشجاعة، ولكنها معلولة بالجور والاعتساف، فعدل عليه الصلاة والسلام خصالها