فإذا ثبت كون هذه الأعراض حادثة نقول: أصل مادة العالم وجوهره إما أنه كان موجودا قديما، وخاليا عن أعراض، وهذا باطل؛ لأن الأعراض ملازمة له لا يخلو عنها جميعها، إذ لا يتصور خلوه عن الحركة والسكون وجميع الصور، وإما أن يقال: حدث وحدثت تلك الأعراض معه، فثبتت حينئذ أنه حادث والأعراض أيضا حادثة، فثبت أن هذا العالم بجيمع ما يحويه حادث، وهو المطلوب.
وأما الدليل على أن كل حادث لا بد له من محدث؛ فلأنه لو وجد الحادث بدون محدث يلزم الترجيح بلا مرجح، وهو من المستحيلات البديهية، وتوضيحه لمن قد يخفى عليه ذلك: أن العقل لا يصدق بأن إحدى كفتي ميزان متساويتين في الثقل، بينما كانتا متوازنتين، أو اليسرى مثلا مائلة وبالغة بميلها إلى الأرض بسبب من الأسباب إذا رجحت اليمنى على اليسرى وارتفعت اليسرى إلى غاية ما يمكن من ارتفاعها، وأن ذلك حصل بدون مرجح للكفة اليمنى الراجحة، لا بقوة حيوان، ولا بمصادمة هواء، ولا جسم آخر سقط فيها، ولا بشيء مما يصلح لترجيحها، ومن يصدق بهذا عُدَّ من الحمقى، ولا فرق بين هذا المثال وبين جميع ما يتصور من الحقائق، سواء كانت حسية أو عقلية في أن الترجيح بلا مرجح فيها من المستحيل كما هو ظاهر، فثبت بهذا: أن وجود الحادث بلا محدث مستحيل، فلا بد لكل حادث من محدث يخرجه من ظلمة العدم إلى نور الوجود