فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 204

مقيم في مكة، ولم يأمر بإراقة قطرة دم لأعدائه، بل يتلو قرآنه المشتمل على قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ، قَدَ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [] ، وقوله في خطاب من تبعه: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [] ، وقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [] ، إلى غير ذلك من الآيات.

وهاجر من مكة إلى المدينة وهو ملتزم لهذه الطريقة مدة من إقامته في المدينة، وقد اتبعه مع تلك الحال والطريقة الجم الغفير من أهل مكة وأهل المدينة وطوائف العرب، كما يعلم من مراجعة سيرته، وقبلت شرعه العقول السليمة، واستحسنته الطباع الصحيحة، ولا خوف هناك ولا ترهيب.

لكن لما ظهر للعقول السليمة، والأنظار القويمة، أن المخالفين الذين لن يتبعوه عليه السلام لا يعمل معهم البرهان، ولا تنفع فيهم الموعظة، ولا يثمر لديهم الإرشاد، بل هم فضلا عن ضلالهم وغشهم لأنفسهم بعدم قبول الدين الحق وسلوك سبيل الاستقامة لا يفترون عن أذاه عليه السلام وأذى أتباعه كلما سنحت لهم الفرصة، ينصبون لهم المكائد، ويقيمون في سبيل دينهم المعاثر، ويخترعون لهم بدائع الأضرار، ويعاملونهم معاملة الأشرار، ووجد أن دوام المعاملة بالرفق لأولئك المخالفين يزيد طغيانهم، ويشوش أمر الدين على أتباعه، أذن الله تعالى له عند ذلك بجهاد الأعداء والأخصام الألداء، والأغرار البلداء، استبدالا للترغيب مع هؤلاء الأشرار بالترهيب، ودفعا للأذى والفساد، وقطعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت