علمٍ ولا ثقافة ولا حضارة): فلن يكونوا أمة واحدة أبدًا. ولذلك كان الأمن الفكري لأي أمة هو القوة التي تحميها من التَّفكُّكِ والتفرُّقِ والانهيار، ويحفظها من أي خطرٍ يهدِّدُها بالهزيمة النفسية وبالاستلاب الحضاري للآخرين.
فالأمن الفكري هو: طمأنينة الفكر وثباته على يقينيةِ عقائدِه وقِيَمِه وأخلاقه.
وبعبارة أخرى: إن تَحَقُّقَ الأمن الفكري في أي أمة من الأمم يعني يقينَها واطمئنانها بأحقية عقائدها وقيمها وأخلاقها في البقاء، وليس في البقاء فحسب، بل في التأثير في الآخرين، وفي قيادة أمم الأرض إلى القناعة بفكرها.
والأمة التي تُحقِّقُ هذا الأمنَ لا شك أنها آمنةٌ من الذوبان في غيرها ومن التَّبعِيّةِ للآخرين، ولو كانت أفقرَ اقتصادًا أو أضعفَ قوةً أو أقلَّ تحضُّرًا، بل حتى لو كانت مهزومةً عسكريًّا محتلّةً من عدو خارجي. كما حصل للمسلمين الأوائل إبّانَ غزوِ المغول والصليبيين، فقد أثّر المسلمون فيهم وغيّروا من فكرهم، حتى وصل بالمغول حدّ الدخول في الإسلام واعتناق عقائده، ووصل بالنصارى حدَّ الانبهار بالحضارة الإسلامية والتتلمذ عليها، مما على أساسه قامت حضارة الغرب الحالية.