القانون الرابع: أن الدليل الظني لا يقدح في صحة الاحتجاج به ورودُ الاحتمالات الظنية المرجوحة عليه؛ لأنه لولا ورودُها عليه أصلا لما كان ظنيًّا، ولكان يقينيًّا. فالدليل الظني: هو ما يَرِدُ عليه الاحتمالُ المرجوحُ، فيصح وصف هذا الاحتمال بأنه احتمالٌ قريب: من جهة كونه ليس احتمالا ساقطا، كالذي لا ينزل بالدليل عن منزلة اليقين (كما سبق بيانه) ، ويصح وصفه بأنه احتمالٌ بعيدٌ أيضًا: من جهة كونه لم ينزل بالدليل عن درجة رجحان الظن وغلبته.
ولذلك قال الإمام الغزالي عن نحو هذه الاحتمالات المرجوحة: «أماالاحتمالات التي ذكرناها: فلا يُنكَرُ إمكانهُا على بُعْدٍ. ولكن الممكنات البعيدة: لا تُقاطِعُ الظنونَ» (1) .
والعبارة الأدق أن يُقال: ولكن الممكناتِ المظنونَ بُعدُها (أي: غير المقطوع بُعدها) : لا تُقاطع الظنونَ، ولا تَنْقُضُ رُجْحانَ الظنِّ المُستفادَ منها. وهذا هو مراد الإمام، كما يظهر من سياق كلامه.
(1) حقيقة القولين للإمام الغزالي (130) .