القانون السادس: التحذير من طلب أعلى درجات اليقين في كل شيء، فطلب أعلى درجات اليقين في كل شيء لا يمكن في الحياة الدنيا، ولن يكون إلا في الآخرة! والغفلة عن ذلك هي سبب السفسطة والشك قديمًا وحديثًا.
فالعقل مفطورٌ على قبول غلبة الظن أولا، وهو مفطور على قبول اختلاف مراتب الإدراك في اليقين والظن. فالعقل يدرك أن اليقين مراتب، كما أن الظن مراتب. فإن رفض شخصٌ اليقينَ الأدنى، حتى يبلغ اليقينَ الأعلى: فقد نزل باليقين من درجة اليقين إلى درجة الشك والتَّوَهُّمِ، وبذلك سيفسد عليه عقلُه؛ لأنه ما عاد يستفيد يقينًا ولا ظنًّا راجحا.
وقد يبدأ هذا الفسادُ العقليُّ بمبالغةٍ وغُلُوٍّ في طلب أعلى درجات اليقين، في كل يقين، فإن لم يجد طالبُ ذلك وسيلةً لبلوغها بدأ يُورِدُ الاحتمالات التي يظنها تُشكِّكُ في يقينيةِ اليقين، مع أنها قد تكون احتمالاتٍ ساقطةً، قد تنزل - مع سقوطها - باليقين عن أعلى درجات اليقين إلى يقينٍ دونها. لينتهي المطافُ بصاحب هذا الغلو في تَطَلُّبِ أعلى درجات اليقين في الأخير: إلى أن يُصبح شاكًّا غير متيقِّن، بعد أن كان متيقِّنًا، بسبب عدم استحضاره هذه الحقيقةَ الحاضرةَ السهلةَ: حقيقةَ تفاوت مراتب اليقين في نفسه هو.