يجب أن يعلم المسلمُ أن الإيمان بالغيب لن يكون في يقينيته كالإيمان بالشهادة، وهذا هو محلّ الامتحان بالإيمان أصلا، ولولا ذلك لما استحقَّ المؤمنُ الثوابَ ولا الكافرُ العقابَ، ولولا ذلك لما كان الإيمانُ بالغيب أشرفَ صفات المؤمنين وأولهَا ذكرا: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 2 - 3] .
وفي الحديث الصحيح: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ليس المُعَايِنُ كالمُخبَر، [وفي رواية: ليس الخَبَرُ كالمُعاينة] : أخبر الله موسى أن قومه فُتنوا، فلم يُلقِ الألواحَ، فلما رآهم، ألقى الألواح» (1) . وهذا الحديث النبوي هو بيانٌ لقوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: 150] ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يبيّنُ أن موسى - عليه السلام - لم يُلق الألواحَ رغم علمه اليقيني بما فعل قومه من بعده بعبادتهم العجل، حيث إن الله - جلّ جلالُه - كان هو الذي كلّمه وأخبره بهذا الخبر المؤلم
(1) أخرجه الإمام أحمد، رقم [1842، 2447] ، وابن أبي حاتم في تفسيره، رقم [8998] ، وابن حبان في صحيحه، رقم [6213، 6214] ، وابن عدي في الكامل - تحقيق السرساوي - (10/ 395 - 396) رقم [17805 - 17809] .