فالنوع الأول من هذا الاختلاف: هو خلافُ العقلاء الأسوياء الفطرة، وهم عموم بني آدم، فهذا هو الذي نَقسِمُ على أساسه التقسيمَ الثلاثي السابق.
والنوع الثاني: هو الخلاف الذي لا يقدح في الاتفاق على يقينية الدليل، ولا يُنزلُ المحكمَ المتفقَ على إحكامه إلى منزلة المختلف فيه أو منزلة المشتبه:
أ- كخلاف المكابرين المعاندين ممن يعرفون الحق ويصرّون على الباطل، فهؤلاء لا ينفي خلافُهم الاتفاقَ على الإحكامِ، ولا يُضعف اليقينَ في دليل إثباته، كما لو خُولف العقلاءُ المبصرون على رؤيتهم الشمسَ في رابعة النهار من معاندٍ مباهِتٍ أو ساخِرٍ مستخفٍّ.
ب- وكخلاف الشُّكاك والموسوسين ومرضى النفوس أو العقول، ممن لايَلتفِتُ إلى تشكيكهم عقلاءُ بني آدم، ولولا عدمُ التفاتِ الناس إليهم ما قام علْمٌ من العلوم ولا اتفق العقلاء على حقيقة من الحقائق.
وهذا ما جاءت الإشارة إليه في الآية بأن المحكمات هي الأم: {مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكِمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أي: إن المحكمات هي الأصل الذي ترجع إليها الفروع