فليس في ذلك ما يدعو للتردّد والخوف من الاعتراف باشتباهه. وإن جوّزنا الاختلاف في إحكامه واشتباهه فلن يكون إحكامُه أقوى من إحكام المتفق عليه، ولن يكون في اشتباهه ما يدل على تعذّر الحكم بإحكام غيره من المتفق على قطعية دلائله. والمعنى (كما سبق) : أن وجود هذا القسم المتوسط بين المتفق عليهما إحكامًا واشتباهًا، لا يُلغي وجودَ المتفق عليه، ولا يُجَوِّزُ التشكيكَ في المتفق عليه، ولا يصحُّ أن يكون وُجودُ هذا القدر المختلَفِ فيه سببًا لادعاءِ عدم القدرة على تمييز المتفق عليه.
وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصل هذا التقسيم بوضوح، عندما قال - عليه الصلاة والسلام:
«إنَّ الحلَالَ بَيِّن، وإنّ الحرَامَ بَيِّن، وَبَينهُمَا مُشتَبهات: لَا يَعلَمُهُنَّ كَثيِرٌ من الناس. فَمَن اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، استَبْرَأَ لدِينهِ وَعِرضِهِ. وَمَن وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ في الحرامِ، كَالرَّاعِي يَرعَى حَولَ الحِمَى، يُوشِكُ أَن يَرْتَعَ فيه» (1) .
كمَ أننا يجب أن نفرق بين نوعين من الخلاف الذي يقع حول الحقائق اليقينية والظنية، ومعيارُ هذا التنويع هو النظرُ إلى صفات أهل هذا الاختلاف:
(1) أخرجه البخاري رقم [52، 2051] ، ومسلم رقم [1599] .