وعلاقة إشاعة الحرية المنضبطة بالمحكمات، وبيان أهمية وجود هذه الحرية لحماية الثوابت: هو أن الشبهة قد تنقدح في فكِرِ أحد أبناء المسلمين، فإن كان الوسط العلمي والثقافي حينها يتمتّع بالحرية، فإن صاحب الشبهة سوف يُظهرها سائلا مُسْتَعْلِمًا، أو داعيًا إليها ظانًّا صحةَ ما يدعو إليه. وهذا الإظهارُ أَدْعَى لإماتة الشبهة في مهدها، قبل أن ينبني عليها رُكامٌ من المجازفات والأباطيل، وقبل أن تمتدَّ وتَطُولَ في خطِّها المنحرف، لتزداد بُعدًا من نقطة انحرافها الأُولى عن نقطةِ الخط المستقيم الذي انحرفت عنه. أما إذا خشي صاحبُ الشبهة السؤال، وكتم مُتّبِعُ المشتبهات تصوراته المختلّة، فسوف يزدادُ الخلل، وتتفاقمُ الأخطاءُ - عنده وعند من تأثر بقناعاته - رُكامًا من العقائد والتصورات الباطلة، وسوف يستشري ذلك الوباءُ العقليُّ والعقائديُّ من شخصٍ إلى شخص، تحت جُنح ظلامٍ من الكتمان، وفي طَيَّاتِ الصدور التي
546)، والذخيرة للقرافي (3/ 401) ، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب (8/ 365 - 370) .
وهذه المسألة مسألة كبيرة، وفيها اختلافات دقيقة في فروعها، ولكن ليس هذا موطن بسطها، ويكفي منها هنا هذه الإلماحة، لبيان وجه من جوه تسامح الإسلام مع أصحاب الأفكار المنحرفة.