فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 133

وحكى ابن خلدون [1] أن هذا هو السبب الذي جعل بعض الصحابة يعدلون عن بيعة علي رضي الله تعالى عنه إلى المطالبة بدم عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: (رأى آخرون أن بيعته - أي علي - لم تنعقد، لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق، ولا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم أو من القليل منهم ... ) إلى أن قال: (ذهب إلى ذلك معاوية، وعمرو بن العاص، وأم المؤمنين عائشة، والزبير، وابنه ... إلخ) رضي الله تعالى عنهم أجمعين

وذهب إلى ذلك أيضًا أبو يعلى في كتابه (المعتمد في أصول الدين)

حيث قال: (لأن الإمام يجب الرجوع إليه ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع، ثم إن الإجماع يعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد كذلك عقد الإمامة له) [2] .

وعند النظر في هذا المذهب نجده مردودًا بشطرية للأسباب التالية:

أ- أما اشتراط إجماع الدهماء فلا يلتفت إليه، لأن طبقة الدهماء لابدّ أن تكون مقلدة لفئة فيها، تؤثر عليها بالدعاية والضجيج، فلا تستطيع أن تحكم في أناة وتعقُّل لتختار الإمام العادل، ومن ثم فإن أهل الحل والعقد وهم: الطليعة الواعية والفئة المستنيرة من أهل الاجتهاد من الأمة هم الجديرون باختيار الإمام، لأنهم سيحتملون وزره إذا لم يتحروا في اختياره الصواب، وسيكونون شركاءه في مآثمه ومظالمه [3]

ب- ولأنه كما يقول ابن حزم رحمه الله [4] :

[تكليف ما لا يطاق وما ليس في الوسع وما هو أعظم الحرج، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدِّيْن من حرج} الحج: 78

ولا حرج ولا تعجيز أكثر من تعرف إجماع فضلاء من في المولتان والمنصورة إلى بلاد مهرة إلى عدن إلى أقاصي بلاد المصامدة إلى طنجة إلى الأشبونة إلى جزائر البحر إلى سواحل الشام إلى أرمينية وجبل الفتح إلى أسمار وفرغانة وأسروشنة إلى أقاصي خراسان إلى الجورجان إلى كابل إلى المولتان فما بين ذلك من المدن والقرى، ولا بد من ضياع أمور المسلمين قبل أن يجمع جزء من مائة جزء من فضلاء أهل هذه البلاد، فبطل هذا القول الفاسد، مع أنه لو كان ممكنًا لما لزم، لأنه دعوى بلا برهان]

جـ- وهو مدفوع أيضًا بما حدث بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة إذا التقى في تلك السقيفة بعض أهل الحل والعقد، ولم ينتظروا حضور الجميع، وفي ذلك المقام بايعوا أبا بكر رضي الله تعالى عنه دون انتظار لرأي الآخرين.

د- أما قياس ذلك على الإجماع فهو قياس مع الفارق.

بل ذكر الجويني الإجماع على عدم اشتراط إجماع أهل الحل والعقد فقال [5] :

[مما نقطع به أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة بالإجماع والذي يوضح ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه صحت له البيعة فقضى وحكم وأبرم وأمضى وجهز

(1) - المقدمة (ص 214)

(2) - ص 139)

(3) - المجموع شرح المهذب - التكملة للمطيعي (17/ 519) و الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة - (ج 1 / ص 59)

(4) - الفصل في الملل والأهواء والنحل - (ج 2 / ص 9وما بعدها) و الفصل في الملل والأهواء والنحل 3/ 84

(5) - غياث الأمم في التياث الظلم - (ج 1 / ص 26) و (الغياثي: 67 - 68)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت