وفي رواية أخرى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى مَرَضِهِ «ادْعِى لِى أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى. وَيَابَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ» . [1] .
ففي هذين الحديثين دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم هَمَّ أن يعهد ثم تركه لعلمه أن الناس لن يختاروا غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فدلّ على جوازه.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقًا على هذا الحديث (فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يكتب كتابًا خوفًا، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه ... قال: وتركه - أي العهد والكتابة - لعدم الحاجة إليه وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه، وهذا أبلغ من العهد) [2] .
2 -ومن الأدلة على جوازه أيضًا فعل الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم، فقد استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب، وعهد عمر بالأمر إلى الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض لاستخلاف من يرونه منهم، وقد قال عمر رضي الله عنه: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم) [3] . وقد مرّ معنا صيغة استخلاف كلِّ من أبي بكر لعمر، ثم عمر للستة رضي الله تعالى عنهم، وقد سبق هذا الاستخلاف مشاورات طويلة مع كبار المهاجرين والأنصار.
(1) رواه مسلم واللفظ له (6332) في ك: فضائل الصحابة. ب: فضائل أبي بكر ح 2387 (4/ 1857) ، وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده (6/ 106) ، و (6/ 144) .
(2) منهاج السنة (1/ 140) .
(3) متفق عليه وسبق تخريجه (ص 125) من هذا الفصل.