فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 133

قال القرطبي رحمه الله [1] :

"فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه، ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلًا صالحًا قويًا عالمًا أمينًا، ويأمره بذلك ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة"، انتهى.

وقال أبو السعود في تفسيره [2] :

"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وصف من الله عز وجل للذين أخرجوا من ديارهم بما سيكون منهم من حسن السيرة عند تمكينه تعالى إياهم في الأرض وإعطائه إياهم زمام الأحكام"، انتهى.

تشير الآيات الكريمات إلى معلم واضح من معالم ولادة الدولة الإسلامية، وهو التمكين الذي يقوم على أساس السلطة النافذة والشوكة الضاربة في الأرض، والذي يترتب على وجوده كمناط متحقق في الواقع ظهور الدولة الإسلامية بمظاهرها السيادية وشعاراتها الواضحة، كما مر في كلام القرطبي من إقامة الحدود وإنفاذ القضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو حقيقة الدين، فلولا حصول التمكين والشوكة لم تكن لمظاهر الدولة فائدة ترجى.

2_ قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: 55]

فجعل سبحانه وتعالى التمكين في الأرض وظهور شعائر الدِّيْن علامة على الاستخلاف الذي يتجلى بتكامل السلطان وبروز معالم الدولة التي تسيطر على تلك الأرض أينما كانت وبأي حجم كانت.

3_ قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) [إبراهيم/13، 14] }.

وإسكان الأرض: التمكين منها وتخويلها إياهم كقوله (وأورثكم أرضهم وديارهم) ، والخطاب في (لنسكننكم) للرسل والذين آمنوا بهم فلا يقتضي أن يسكن الرسول بأرض عدوه بل يكفي أن يكون له السلطان عليها وأن يسكنها المؤمنون كما مكن الله لرسوله مكة وأرض الحجاز وأسكنها الذين آمنوا بعد فتحها، أي أن الغلبة والظهور كان هو العلامة على تسلط الرسل والمؤمنين معهم على الأرض والحكم فيها بشرع الله.

(1) -تفسير القرطبي 4/ 49)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت